لوحظ عشية افتتاح مؤتمر جنيف ـ 2 أن خطاب الإدارة الأميركية بخصوص مشاركة إيران في أعماله، بدأ يتسم بالمرونة. خفّت فيه لغة ونبرة الاشتراط ليحلّ مكانها مطالبة طهران بضرورة إظهارها لحسن النوايا في مجال معالجة الجوانب الإنسانية للأزمة السورية. وكانت واشنطن قد ربطت، من البداية، الموافقة على حضور طهران بوجوب اعترافها والتزامها بجنيف ـ 1 وما جاء فيه بشأن الحكومة الانتقالية في سوريا. في الأيام الأخيرة ومع اقتراب موعد الافتتاح الأسبوع القادم، صار على طهران إبداء رغبتها في السعي مع النظام السوري لتسهيل مرور المعونات الإنسانية إلى المناطق المحاصرة ولتخفيف حدّة القصف الجوي، حسب الخارجية الأميركية. تراجع ملحوظ عن الإصرار على الشرط الأساسي.
موقع إيران
بموازاة ذلك، نسبت مصادر إلى الوزير كيري قوله، خلال لقاء باريس يوم الاثنين الماضي، بأنه من غير السهل تجاهل إيران لما لها من تأثير «يمثل أحد مفاتيح نجاح أو فشل هذا المؤتمر، فضلاً عن انها في موقع القادر على تسويق أي اتفاق يخرج به المؤتمرون وحمل النظام السوري على القبول به . طبعاً ليس في الأمر صحوة على هذا الواقع المعروف والذي يبدو أن الوزير استحضره من باب التمهيد لتعديل موقف الإدارة وتسويغ قبولها الوشيك بمشاركة إيران. عزّز هذا الاحتمال أن المبعوث الدولي الأخضر الابراهيمي شدّد وبصوت أعلى على أهمية حضور إيران. وكذا فعل لافروف وإلى حدّ ما الأمين العام بان كي مون. وربما لم يكن مجرد صدفة أن الإدارة بدأت تعطي إشارات المرونة هذه مباشرة بعد إعلان الاتفاق الأسبوع الفائت مع إيران، حول التفاصيل التقنية لبدء تنفيذ مرحلة الاختبار للاتفاق النووي. وكأن النهج المعتمد يقوم على معادلة تقضي بإشراك إيران في ترتيب شؤون المنطقة وبالتحديد سوريا، بقدر ما هي تتجاوب مع شروط تسوية النووي. وهذه معادلة أطلقت تحذيرات بشأنها من جانب مرجعيات أميركية، من زاوية أن طهران تتعاطى مع النووي من منطلق «تقديم أقل ما يمكن من التنازلات لكسب ما تيسّر من الوقت وإزالة أكثر ما يمكن من العقوبات، ضمن تسوية تكفل لها الحفاظ على برنامجها النووي ـ ولو المقيّد ـ الذي يبقيها على عتبة القنبلة»، كما قال روبرت غيتس وزير الدفاع السابق.
مشاركة متوقعة
مشاركة إيران المتوقعة في جنيف ـ 2 تأتي في إطار العمل على تلميع دورها الإقليمي. اعتراض واشنطن على دعوتها وربط الموافقة عليها بشروط، كان غرضه الأساسي ضبط هذا الدور منذ البداية، تحت العباءة الأميركية. ربما تكون ليونة إدارة أوباما في هذا الخصوص قد جاءت نتيجة تأكيدات دبلوماسية قدمتها طهران، بشأن لعب دور مسهّل في المؤتمر كما في ترجمة نتائجه. أو ربما تكون طهران في تجاهلها للشرط الأميركي، قد راهنت على أن الدعوة ستوجّه إليها في نهاية المطاف باعتبارها طرفا «لا غنى عنه» في أي تسوية. ألم تعترف واشنطن، على لسان الوزير كيري حسب ما نسب إليه مؤخراً، بأهمية حضور إيران؟
لو كانت واشنطن عازمة على وضع حدّ للأزمة السورية لما كانت بحاجة إلى مشاركة إيرانية في المؤتمر، بقطع النظر عن مدى ضلوع وتأثير إيران في الصراع السوري. الأزمة قدمت فرصة لتكبير أهمية دور طهران في سوريا وجعله بمثابة ضرورة لا بديل عنها ومحاولة تسويقها بهذا الشكل لتليين الاعتراض العربي على مشاركتها. كل ذلك في مقابل استمرار تجاوب طهرن مع بنود اتفاق النووي. واشنطن تعرف أن جنيف ـ 2 ليس مرشحاً لأن ينتج أكثر من قرارات متواضعة، في أحسن الأحوال. «توقعاتنا واقعية»، كما قالت الخارجية الأميركية اليوم. طموحها الآن تركيب الطاولة وحمل المعارضة على التصويت يوم الجمعة 17/1 على المشاركة، مع إيجاد صيغة لحضور إيران. والباقي يصبح في عهدة عملية مفتوحة.