يرى بعض المراقبين والمحللين السياسيين، المولعين بـ «نظرية المؤامرة»، أن ما يحصل في المنطقة من انتفاضات واضطرابات وفوضى، ما هو إلا تنفيذ لمخطط «إمبريالي صهيوني»، الهدف منه إضعاف وزعزعة الجبهة العربية لصالح أعدائها، فيما يرى آخرون أن معظم، إن لم يكن كل، الأنظمة التي شهدت دولها الانتفاضات وحراكاً شعبياً، لم تكن في الجبهة المفترضة، المضادة للأعداء، بل كانت معها على الدوام، سراً أو علناً، وتستغل شعارات العداء والمناوأة والخطر المحدق، لفرض دكتاتوريتها، وتبرير فشلها في خدمة شعوبها، واستمرار فسادها المالي والإداري.

يقول القيادي في التيار الديمقراطي العراقي، حميد ألبياتي، إن «توجيه الاتهامات للانتفاضات الشعبية ينم عن استهانة بوعي الشعوب، والشعور بالظلم الواقع عليها». ويضيف أن كل «ثورة أو انتفاضة يمكن أن تتخللها أخطاء واختراقات وإخفاقات، ولكن من المعيب أن نستهين بقدرات الشعوب ووعيها، وطموحها إلى الحياة الحرة الكريمة والعيش السعيد».

إلا أن الكاتب والمحلل السياسي، محمد الصميدعي، يرى غير ذلك، ويقول، إن المدقق في كل ما جرى «تصنيعه» على الساحة العربية، تم تأطيره في إطار «الثورة» و«الحراك الثوري»، يكاد يصاب بالصدمة والحيرة لجهة أن كل «الشعارات البراقة من حرية وتعددية وعدالة اجتماعية ذهبت أدراج الرياح، عندما استجلب ذلك الحراك تياراً وحيداً إلى الواجهة السياسية، ومراكز صنع القرار، هو تيار الإسلام السياسي، الذي أدى إلى ارتدادات وتداعيات، استولدت ذلك العنف الفريد والإرهاب الأعمى، لدرجة أن الغرب الذي بارك وصفق وهلل لتلك الثورات (وهي علامة فارقة في ملامح الثورات العربية)، هو نفسه اليوم من ينادي بضرورة توحيد الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب، معتبراً ذلك من الأولويات المقدمة على جميع القضايا الأخرى».

ولا تستغرب النائبة في البرلمان العراقي ميسون الدملوجي، بروز «الإرهاب السياسي الديني أو الطائفي»، لأن كل الأنظمة الاستبدادية، تقمع «حتى الموت» بروز تيارات ديمقراطية حقيقية معارضة، لكنها لا تستطيع فعل ذلك مع القوى الدينية، إلا بشكل محدود جداً، وهو ما جعلها القوة الرئيسة أو الوحيدة التي يمكنها تنظيم نفسها، ما جعلها القوة الرئيسة بعد أي تغيير، لكنها مع ذلك، تخشى من طرح برامجها الحقيقية علانية، في عالم يميل بأغلبه إلى الانفتاح والحرية الحقيقية. وبحسب متابعين سياسيين، أن الأنظمة العسكرية التي أنشئت في أواخر الستينيات ووقت مبكر من السبعينيات، تحولت إلى أنظمة بوليسية تحتكر السلطة والنفوذ، لكن مع تطور القنوات الفضائية وسبل نقل المعلومات وفضح الأسرار والمخططات، لم تعد فكرة السيطرة على الدول والشعوب ممكنة، وهنا، بدأ التفاؤل بالتغيير في الشرق الأوسط، مناظرة بشرق أوروبا في التسعينيات، إلا أن مستقبل الربيع العربي «ما زال مجهولاً»، في ظل وجود فجوات وفراغات على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية لم تجد الشعوب من يملؤها.