أعوامٌ ثلاثة مرت على الثورات العربية، خلفت وراءها جُملة من علامات الاستفهام، وجملة من التأويلات والتحليلات السياسية، تداخلت في ذلك قوى دولية وإقليمية ذات ثقل في المنطقة، ما أسهم في أن يموج المشهد العربي في جملة من «التساؤلات»، حول طبيعة تلك الثورات والمُحرك الرئيس لها، والمُستفيد الأكبر منها، خاصة أن جُل مطالب تلك الثورات لم يتحقق، وظل الوضع على ما هو عليه، بل ازداد توتراً، في ما بين جماعات إسلام سياسي، وفصائل إرهابية، وبين قوى وطنية مدنية، وعناصر شبابية مُتمردة، دب الخلاف واستمر، إلى درجة، لاح معها في الأفق أنه لا نهاية لذلك المشهد المفعم بالاضطرابات، رغم كل ما يُزامن العام 2014 من آمالٍ عريضة.
وفي وقتٍ أكد فيه مراقبون أن استفادة أية قوى دولية خارجية من ثورات العرب لا يُعد إدانة أبداً للإرادة الشعبية حسنة النية، بل إن ظروف المنطقة المتشابكة دفعت لإحداث المزيد من التوتر عبر المشهد، لدرجة ما عاد معها التفرقة بين ما هو صواب أو خطأ، في ظل تشابك المصالح.
«دول الربيع العربي تعيش حالة من التفكك»، بتلك الكلمات بدأ خبير العلاقات الدولية المصري الدكتور سعيد اللاوندي حديثه عن مدى استفادة إسرائيل من التطورات، التي تشهدها الساحة العربية، لافتاً إلى أنها هي «المستفيد الأكبر» من تلك الثورات بوجهٍ عام.
المستفيد الأكبر
وأوضح اللاوندي في تصريحات خاصة لـ«البيان» أن أميركا وأعوانها في المنطقة، خاصة حليفتها إسرائيل إن «لم تكونا قد حرّكتا ثورات الربيع العربي؛ لإحداث حالة من الاضطراب بالمشهد السياسي العربي في المنطقة، فإنهما قد (وظّفتا) ثورات الربيع العربي؛ لخدمة مصالحهما وأجنداتهما المختلفة بالمنطقة العربية»، مشيراً إلى أن «كل التشرذم الذي تشهده الدول العربية الآن كان من نتاج رغبة أميركية وإسرائيلية، ويفرحان به بصورة مباشرة، على اعتبار أنهما المستفيد الأول، والأكبر من ذلك المشهد».
ثورات عظيمة
بدوره، فإن الخبير السياسي محمد السعيد إدريس، نوّه في تصريحات خاصة لـ«البيان» بأن إسرائيل «استفادت من الثورات العربية بشكل أو بآخر، إلا أن تلك الاستفادة لا تُدين أبداً هذه الثورات العظيمة، التي انفجرت ضد مساوئ الحكم في العديد من الأنظمة السياسية، ومن ثمَّ فهذا تحفظ رئيس يُطرح على استفادة إسرائيل، خاصة أن الأوضاع في دول الثورات كانت قد تفاقمت مساوئها، وبالتالي انتفضت الإرادة الشعبية طواعية، من دون تدخل من أية قوى؛ للتعبير عن آرائهم حتى إسقاط النظام». وأكد أن «عودة الإرادة الشعبية» بعد سنوات من التهميش، هي أهم مكاسب الثورات العربية.
وردًا على سؤال حول هل ما إذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل قد نجحتا في توظيف الثورات العربية بشكل أو بآخر لصالحهما، قال: إن «الضغوط التي تمارسها أميركا على مصر الآن، والضغوط التي مورست على المجلس العسكري، خلال المرحلة الانتقالية، تؤكد أن هناك بالفعل توظيفاً، كما أن الدور الأميركي، بالتعاون مع حلف الناتو في تدمير ليبيا، يؤكد ذلك أيضاً، فضلاً عن دور واشنطن في عسكرة الثورة السورية، وانهيار القدرات السورية يُدلل على ذلك».
«ربيع المليشيات»
أما الخبير السياسي الكاتب الصحافي محمود نفادي، فاعترض على وصف «الربيع العربي»، قائلاً: «لا يوجد ما يُسمى بذلك، فإن ما حدث قبل ثلاث سنوات في العالم العربي هو (ربيع الميلشيات العربية)، إذ ظهرت ميلشيات مُسلحة في كل تلك الدول، التي وقعت فيها الثورات، سواء في تونس أو مصر أو ليبيا وسوريا، ومن أطلق تعبير أو مصطلح (الربيع العربي)، كان يُريد أن يعطي غطاءً سياسياً لتلك الميلشيات المسلحة التي نعانيها إلى الآن».
وتابع قائلاً: «تنظيم القاعدة بفضل ربيع الميلشيات العربية استطاع أن ينجح في الوصول إلى مناطق، كان لا يحلم بها مُطلقاً، منها مصر، ولا يوجد أدنى شك في أن إسرائيل وأميركا هما المستفيدان الأكبر من ذلك، والدليل أنه لا يوجد أي تهديد للأمن الإسرائيلي، خلال السنوات الثلاث الماضية».
ولفت النفادي إلى كون «أميركا وإسرائيل قد خططتا مع جماعات الإسلام السياسي، بقيادة جماعة الإخوان المسلمين؛ من أجل إحداث تلك الجلبة بالمشهد العربي، فضلاً عن كون ما يتم تداوله هذه الأيام من تسجيلات لمن كنا نتوقعهم نشطاء ثوريين، يكشف حقيقة الأمر، أنهم (خونة) ونسّقوا مع أميركا وإسرائيل، للغرض ذاته، ومن ثم فإن الولايات المتحدة وتل أبيب نجحتا في أن يُحركا تلك الثورات».
القضية الرئيسة للعرب لم تعد فلسطين
أشار نقيب الصحافيين الأسبق مكرم محمد أحمد، في تصريحات خاصة لـ«البيان» إلى أن إسرائيل هي بالتأكيد المستفيدة الأكبر من المشهد الحالي، الذي تعيشه الأمة العربية، إذ إن كل تلك الانشقاقات المتتالية، إضافة إلى غياب سياسيي المستقبل، وتلهي مصر في أحوالها الداخلية، وانشغالها الجزئي عن القضية الفلسطينية، فضلاً عن محاولات تدمير الهوية السورية، والفوضى التي تضرب ليبيا وصراعات القوى الدينية المتطرفة هناك، كل تلك القلاقل تؤكد حقيقة أن إسرائيل والولايات المُتحدة هما أكثر المستفيدين، فالمنطقة تعيش على حافة إشكاليات مستمرة، وهو ما تريده تلك الدول.
واستطرد قائلاً: «قضية العرب الأولى لم تعد فلسطين، كما كانت، بل إن القضية الأولى لكل دولة عربية الآن، هي أن تدرس كيف يتم حماية أمنها الداخلي، ومن ثمَّ فالعرب جميعًا مشغولون بعنصر الأمن القومي الداخلي، بعيداً عن أية قضايا أخرى، وهذا قطعاً، يُرجح كفة أميركا وحليفتها إسرائيل».