لم يعلم الإسرائيليون،وهم يخشون من المتغيرات المتسارعة في الشوارع العربية عام 2011، وما بعده، أن مخاوفهم لم تكن في محلها حينها، فما سيطلق عليه اسم «الربيع العربي» لاحقاً، لم يتشكل مولوداً بعد، بل هو في أحسن حالاته مخاضاً، يريد أن يلد، لكنه يثور تارة، ويسكن أخرى. «ما زال الوقت مبكراً للحكم على نتاج هذا المخاض، والقراءات المتدفقة، التي تحكي قصة الربيع العربي، إنما تحكي حكاية لم يكتب بعد فصلها النهائي». هذا على الأقل ما يراه الباحث في الصراعات الدولية عدنان برية، بينما يحدد الفقيه الدستوري والقانوني محمد الحموري الشكل الذي يخدم إسرائيل، فيقول: «هو الذي يخدم الكيان الصهيوني هو أن تبقى كل دولة عربية معزولة عن الأخرى على النحو الذي نراه الآن». وعليه، فإن ربيعاً عربياً يعيش فيه المواطن العربي وسط مناخات من الحرية والتعددية والديمقراطية آخر ما تريده إسرائيل.

في حين يكتفي رئيس مجلس النواب الأسبق عبد اللطيف عربيات بالقول: إن «المعادلة ليست صعبة»، مشيراً إلى «أنه كلما تقدمت المطالب الشعبية للإصلاح على الأرض كلما خسرت إسرائيل، والعكس صحيح أيضاً».

ما سبق مهم، لكن ما هو أكثر أهمية منه يتعلق بخلاصة تقدير موقف،أعدها الباحث في الصراعات الدولية عدنان برية، قال فيها: «على المدى الاستراتيجي بعيد المدى خسرت إسرائيل وستخسر، لكن على المدى المنظور ربما تكون قد كسبت جولة، بانشغال الأنظمة بحركة شعوبها الداخلية وانشغال قوى المجتمع بقضاياه الداخلية الملحة».

وسبق لنائب وزير الدفاع الإسرائيلي داني دانون، وكتب في مجلة «فورين بوليسي» إن إسرائيل خرجت أقوى من أي وقت مضى، بعد أن طويت صفحة الربيع العربي. لكن هل صحيح ذلك أم أنها قراءة متعجلة لتنور ما زال يغلي؟

إسرائيل تدرك - كما قال دانون نفسه - إن «المنطقة اليوم تعج بالأخطار، التي تهدد إسرائيل وينبه من مغبة الاستعجال بالدخول في مساعٍ دبلوماسية اصطناعية في محاولة، لتغيير الواقع الجيوسياسي في الشرق الأوسط».

لكن لماذا تشعر إسرائيل اليوم بالنشوة؟ الإجابة هي في الشوارع المصرية والسورية والليبية واليمنية. إن إسرائيل لم تعد اليوم العدو الأول للعرب قول يجافي الحقيقة. والربيع العربي لم يعمل على إزاحتها عن المشهد، لكنه منشغل، وبنظر الملايين من العرب فإن إسرائيل لا تزال قوة احتلال غاشمة، تهدد أمن واستقرار المنطقة برمتها، طويت صفحة الربيع العربي الآن لكن المنطقة لا تزال حبلى بالمفاجآت.

وهذا بالضبط ما رآه الباحث السياسي الأردني حازم عياد، الذي يقول: «بالتأكيد لن تكون إسرائيل مستفيدة من الربيع العربي، وبالتأكيد هي تدرك ذلك، وربما تؤخر الوقت الذي ستظهر فيه خاسرة». وأضاف أن «الربيع العربي ليست حالة ثابتة، بل ديناميكية متغيرة، لكن ما يميز إسرائيل ويجعلها تظهر بكونها مستفيدة قدرتها على استثمار حالات التعثر، التي وقع بها الربيع العربي بشكل أفضل من أي قوى سياسية أخرى، تلك التي تعاني حالة ضعف». وأشار إلى أن «إسرائيل استطاعت توظيف مواردها السياسية وعثرات الربيع العربي لصالحها، لكن ذلك لن يستمر».

واعتبر عياد أن الربيع العربي «حالة متفجرة تمر بمراحل عدة، وليست مرحلة واحدة، يمكن الحكم عليها».