رغم مرور ثلاثة أعوام على رياح التغيير التي اجتاحت دولاً عربية، تحت ما يُسمى «الربيع العربي» الذي تحول خريفاً على أرض الواقع، لم تستطع تلك دول ذلك الربيع إنجاز طموحاتها في العيش والديمقراطية وحرية التعبير والعدالة الاجتماعية التي كانت تنشدها.
وعزى بعض المراقبين والمحللين الذين سألتهم "البيان عن تقييمهم لحصيلة ثلاث سنوات، عن انعدام الإنجازات إلى عشوائية آليات تحقيق تلك مطالب وطموحات السعوب، والتي تخللها الكثير، ولا زال الكثير من أعمال العنف والفوضى والخراب، فبعد أن بدأت نموذجاً انطلقت شرارته الأولى في تونس.
وانتقلت عدواه إلى مصر وليبيا واليمن ثم سوريا، أصبح كابوساً مزعجاً، ليس فقط للدول الأخرى التي تترقب المشهد المنزلق، ولكن أيضاً لشريحة كبيرة من شعوب تلك البلدان ذاتها التي قامت فيها الثورات، وذلك بسبب الفاتورة الباهظة والمكلفة على المستويات البشرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية.
ورغم توسط العديد من البلدان العربية لحلحلة تلك الأزمات التي اتسعت دوائرها، لتدول قضاياها، بسبب الاستخدام المفرط للقوة في بعض الدول، بدا أن الشعب هو الضحية على كل الأحوال، إذ لا تزال سوريا مثلاً ترزح تحت وطأة القتل، مع ما حصدته أزمتها أكثر من 130 ألف ضحية.
عشر سنوات
ويرشح دبلوماسيون من أوروبا الشرقية، وتقر بذلك دول عربية، أن المراحل الانتقالية في بلدان الربيع العربي، قد تصل لعشر سنوات، كما حدث في دول بأوروبا الشرقية، مع أعراضها الجانبية غير المأمونة من الاستخدام المفرط للقوة، وتفشي العنف في المجتمع، ما حدا للبعض بتسمية تلك المراحل الانتقالية بـ «العنف الانتقالي».
ضبابية
من جانبه، عبر الباحث في العلاقات الدولية محمد أبو النور لـ «البيان»، عن اعتقاده «أن رؤية ضبابية تحيط بالمشهد المحتمل لعام 2014، خاصة في الملف السوري المرهون أساساً ببقاء نظام الأسد في السلطة»..
وفي ما يتعلق بالملف الفلسطيني، فقال: «أتوقع أن يشهد تجمداً للوضع الحالي، طالما أن هناك انقساماً داخلياً بين أبناء الوطن الواحد، وأخشى أن يستمر تفتيت المشهد بصورة أكثر مما هو عليه، وهي استراتيجية اتبعتها إسرائيل حيال تفتيت المفتت وتقسيم المقسم».
أما عن الوضع في مصر، توقع أبو النور أن «يتغير المشهد تماماً مع إعلان موعد إجراء الانتخابات الرئاسية، ومعرفة ما إذا كان وزير الدفاع المصري الفريق أول عبد الفتاح السيسي سيخوض المنافسة في الانتخابات الرئاسية من عدمها، كما سيتحدد المشهد بشكل أكبر بعد الاستفتاء على دستور 2014، ومعرفة طبيعة التوازنات في البرلمان المزمع الدعوة إلى انتخابه خلال العام»..
وبالنسبة للمشهد التونسي، فذهب إلى أنه يستقر إلى حد ما، وفق التوافق الوطني على رئيس الوزراء الجديد، قائلًا: «كما يبدو لي أن الشعب التونسي أكثر وعياً بخطر الاختلاف، وأتوقع أنه لن يُكرر المشهد المصري بكل ما فيه من تعقيدات».
ويستطرد أبو النور: «يمكن التنبؤ بشكل المشهد في صنعاء، من خلال فحص مجريات الأوضاع في العامين الماضيين، وعلى ما يبدو فقد استتب الوضع قليلاً للسلطة الجديدة، وهدأت الثورة بعد أن رأى الجميع كوارث التغيير العنيف الذي تم في مصر منتصف صيف 2013».
نتائج ملموسة
من جانبه يقول الباحث في الشؤون السياسية أحمد الشيمي لـ «البيان»: «لا أتوقع في 2014 أن تحقق بلدان الربيع العربي نتائج ملموسة على المسارين الثوري أو الديمقراطي، وسط بيئة الصراع الداخلي، والتدخلات الغربية والإقليمية في الشؤون العربية».
ويضيف: «إنه منذ انطلاق شرارة الربيع العربي في تونس قبل 3 سنوات، وما زالت الثورات العربية مهدورة، ولم يتحقق من أهدافها سوى تغير رموز الأنظمة السابقة، فاليمن الآن تواجه خطر التقسيم.
أما ليبيا هي الأخرى تعاني من تردي الأوضاع الأمنية، وغياب لمظاهر وجود الدولة، ككيان قادر على بسط الأمن، وفي سوريا، تحولت الثورة إلى صراع وحرب أهلية، ورجوع الدولة عقوداً إلى الوراء، بفضل تدمير البنية التحتية ومظاهر الدمار والخراب، وتونس تشهد صراعاً محموماً بين الأحزاب الإسلامية والمدنية، دون أن تحقق أي هدف من أهدافها».
دراسة المتغيرات
من اللافت تفكير العمل العربي وأداته الجامعة العربية في آلية جديدة لتعزيز التعاون بين الدول العربية. وذكر مصدر عربي لـ «البيان» أن القمة العربية المقبلة في الكويت، «سوف تبحث عقد اجتماع لعددٍ من مُفكري الدول العربية خارج النطاق الحكومي، لدراسة المتغيرات الدولية وتأثيراتها في المنطقة العربية.
خاصة في ظل تطورات عملية السلام، وكذلك الأزمة السورية، والملف النووي الإيراني، وإخلاء المنطقة من أسلحة الدمار الشامل، بما فيها السلاح النووي الإسرائيلي»، ورجح المصدر العربي الدبلوماسي أن يعقد هذا الاجتماع منتصف فبراير المُقبل.
