في مرحلة حرجة وحساسة، حيث تستدعي طبيعتها وتفاصيلها أن تتضافر الجهود والمساعي بغرض تقوية أعمدة الكيان المعارضة السورية من أي ارتدادات عكسية، جاءت الاستقالات الجماعية من جسم الائتلاف الوطني السوري المظلة أوسع نطاقاً للمعارضة، في خضم اجتماعه الأخير قبل انعقاد مؤتمر «جنيف 2» بمثابة ضربة موجعة قد تحمل بين ثناياها شهادة الوفاة لهذا التشكيل الذي عانى منذ نشأته من آفة التفتت والتشرذم.

وبرر المنسحبون الذين وصل تعدادهم إلى 41 قراراً استقالاتهم بجملة من العناوين العريضة، أبرزها: «تحكم الإرادة الخارجية بفعل خاصية المال السياسي في تدوير لعبة المناصب وتغير الشخصيات بحسب ما تقتضي مصالحها الذاتية من دون إيلاء أهمية لكفاءات شخصيات فاعلة تجسد رغبة الثوار في الداخل»، فضلاً عن موافقة الائتلاف الوطني المشاركة في المؤتمر «بغرض إضفاء الشرعية على النظام السوري» وهو أمر مرفوض لدى المنسحبين في ظل الشروط المطروحة من قبل الإرادة الدولية. بينما أتى الرد الائتلاف الوطني على هذا الأمر في سياق البيان الختامي الذي أكد فيه أن الانتخابات «جرت في جو من تقاليد الديمقراطية الشفافة من دون وجود التلاعب وفرض الشخصيات من الأعلى، كما أن مشاركة الائتلاف من عدمها في جنيف2 لم يناقش خلال جلسات المؤتمر الذي دام ثلاثة أيام متتالية».

شرعية وتأجيل

ويعتقد بعض المراقبون أن آثار قرار الاستقالات الجماعية حطت من كبرياء الائتلاف الوطني، الذي يعتبر نفسه الممثل الشرعي الوحيد للشعب السوري. فالصورة التي ظهر من خلالها أعضاء الائتلاف أمام الرأي العام الداخلي والقوى الثورية قطعت شعرة معاوية نهائياً وجعلته يفقد مصداقيته في نظر أي مواطن سوري نتيجة العراك على المناصب وتوزيع الحصص وأحقية هذا الفريق في القيادة على حساب الفريق الآخر في وقت يتعرض السوريون إلى مذابح يومية وظروف قاسية من دون معيل دولي ولا سند سياسي محلي يحاكي مستوى التضحيات المبذولة. لكن عضو الهيئة السياسية في الائتلاف فايز سارة استبعد حدوث تفكك وشيك قد يفضي إلى انحلال الائتلاف نهائياً. وهو رأي يخالف مخاوف الرئيس الائتلاف أحمد الجربا الذي سيحاول تأجيل «جنيف 2»، وسوف يتم طرح هذا البند في مؤتمر أصدقاء سوريا في فرنسا المنعقد غداً الأحد، حيث أوضحت تلك التسريبات أن أسباب طلب التأجيل تتعلق في الخلافات الأخيرة وانسحاب 41 عضواً من الائتلاف، وعدم جاهزية الائتلاف للحوار وافتقار إلى الشرعية المطلوبة من القوى العسكرية وسط حالة من الانقسام بين كتل المعارضة بين مؤيد ومعارض للمؤتمر.

جسمان منفصلان

وهذه المخاوف انبثقت مباشرة جراء عملية الانقسام حدثت بين جسمين. الجسم المنسق مع المقاتلين على الأرض والجسم المنسق مع السياسيين وعملية التسوية. فالأول الذي يشكل غالبيته من الذين قدموا استقالاتهم يسعى إلى تعويض حضوره في «جنيف 2» عبر بوابة تقدم مقاتلي المعارضة في وجه «داعش» واستخدامهم هذا الخيار كورقة ميدانية في وجه الجسم الثاني. ولعل القادم بعد هذا الانسداد السياسي وفشل المعارضة السياسية في تجسد أفعال ناضجة بنظرهم هو مجيء القيادات العسكرية الفاعلة على الأرض، حيث تطرح نفسها كبديل عن العجز السياسي، والفشل في التعاطي السياسي والأخلاقي مع الثورة.

بيد أن الجسم الآخر لا يزال يملك في جعبته ورقة الدعم الدولي والإقليمي، لكنه يفتقر إلى كتلة مؤسساتية صلبة. فهو إن لم يحترق صلاحيته لدى القوى الداعمة سيتمسك بقيادة المعارضة السورية حتى ان استدعى الأمر ضرورة تأجيل «جنيف 2» لعله ينجح في لملمة أوراقه مجدداً أو يحث الأطراف المنسحبة العودة إلى مقاعدها الشاغرة بعد تقديم تنازلات تترجم رغبة الطرفين، وإلا ستبدو خيار طي صفحة الائتلاف الوطني السوري نهائياً أمراً واقعياً.

اجتماع

تعقد مجموعة «أصدقاء سوريا» اجتماعاً غداً الأحد في باريس يضم الدول الـ11 الأكثر فاعلية في التكتل الداعم للمعارضة والثورة السورية.