ما حدث في الكويت خلال الأسبوع الماضي من بداية نارية للعلاقة بين مجلس الأمة (البرلمان)، والحكومة الجديدة دليل إضافي على أنّ تغيير الوزراء، والهروب من الاستجوابات بمحاولة «تجميل» الحكومة لا يجدي نفعاً في ضوء سيطرة «عقيدة»المناكفة على التعاطي السياسي الكويتي.

الأمر ليس قصراً على الحكومة الحالية أو البرلمان الحالي، بل هو بات نهجاً في كل البرلمانات، التي تلت تحرير دولة الكويت من الغزو العراقي، أي منذ انتخابات العام 1992، التي شهدت تعاقب نحو 20 حكومة.

الهجوم النيابي اللاذع على الحكومة الكويتية، واللغة الحادة التي استخدمت في جلسة الأربعاء الماضي، والتراشق ذو النَفَس الطائفي في الجلسة التي سبقتها بـ 24 ساعة، ينبئ بأنّ الكويت مقبلة على صدام نيابي حكومي، قد يتعدى الحدود التي عهدناها، فيما المأمول هو المباشرة بعلاقة تضع نصب عينيها تفرّغاً للتشريع والعمل، وشروعاً في إحياء تنمية معطّلة، وتحصيناً للبيت الداخلي من عواصف الفتنة، التي باتت تتمدّد في المنطقة.

ما يشهده مجلس الأمة الكويتي يدخل في خانة السجال العقيم، والعبث الذي بات يقض مضجع المجتمع الكويتي الذي ينشد منذ أعوام إصلاحاً إدارياً، ينفض عن كاهل هذا البلد الخليجي غبار الفساد، الذي عصف بالكويت، وأقعدها في المرتبة الأخيرة في سلم لائحة مدركات الفساد بين الدول الخليجية.

قد يرى البعض أنّ الحل في «ترشيد» العمل البرلماني، لكن منظومة العمل السياسي تحلّق بجناحين. وفي هذا السياق، هناك مآخذ على «هروب» الحكومة من الاستحقاقات النيابية بالتدوير أو التغيير، بتغيير الشخوص، من دون تغيير النهج. مع أنّ مواجهة الاستجوابات وتفنيدها أجدى وأنفع، فكلّما تحاشت الحكومة استجواباً أو طرح ثقة متوقعاً بالاستقالة أو تبديل الوزير عاود البرلمان الكرّة، وبضغط أكبر، ما جعل الكويت «أسيرة» دوامة الاستجوابات والاستقالات، والنتيجة، كما تبيّن من مشاورات التعديل الحكومي الأخير، العزوف من الكفاءات الكويتية عن قبول العمل الوزاري، وتقلّد المسؤولية التنفيذية، لأنّ الحقيبة الوزارية باتت محرقة.

كان اللوم في الأعوام الماضية يلقى على بعض السياسيين في تأزيم العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، ولكن التأزيم استمر، بل استفحل، رغم غياب هؤلاء، وهو حال يطرح، وبقوة، بالتأكيد، أنّ العمل السياسي الكويتي بات بحاجة لعملية «بريسترويكا» (إعادة بناء) عاجلة، أولى خطواتها الاتفاق على الأولويات، حتى تخرج الكويت من خندق التباين والخلاف، الذي بات يتهدّد المصلحة الوطنية العليا، ويعطل مسيرة التنمية، ومثار استنكار.