أظهر السوريون عزيمة أسطورية على مدى ثلاثة أعوام، قلما واجه شعب آلة قتل جهنمية، كلما أبادت أكثر، وطلبت مزيداً من الضحايا. لم يوفر نظام بشار الأسد سلاحاً إلا واستخدمه ضد السوريين، الكيماوي، التقليدي، التجويع، الاغتصاب، التهجير، الحرب النفسية، وزرع الجواسيس.

ومع ذلك، لم ينجح في زحزحتهم عن مرادهم ألا وهو إطاحة نظامٍ استخباراتي يترأسه، يذكّر الجميع بحقبة هونيكر في ألمانيا الشرقية، وزميله في رومانيا تشاوشيسكو، وهما معلما الأسد الأب، ومرشداه الروحيان.

والواضح، أن الشعب السوري مصّر أيما إصرار على المضي قدماً في تحقيق أهدافه، حتى لو انتهى جله إلى المنافي ومخيمات اللجوء، بعدما أعلن بشكلٍ لا يدع مجالاً للشك أن لا عودة إلى الوراء مهما كان الثمن.

سيرك التطرف

واليوم، ومع اقتراب الذكرى الثالثة لانطلاق الثورة، يؤكد السوريون مجدداً سعيهم الحثيث نحو دولة ديمقراطية مدنية تعددية، تحترم الجميع، وتكون مثالاً في منطقة الشرق الأوسط، من خلال محاربتهم تنظيم «داعش» وأخواته، مثبتين أن همتهم لم تفتر، وأن نضالهم هذا ناصع لا تشوبه شائبة من قبيل أكذوبة الأسد ورهطه بأن ما يحصل في سوريا حرب بين نظام علماني منفتح، وحفنة من المتطرفين الموتورين.

صحيح أن الأسد تمكن من إقناع البعض في الغرب، بحضور عرض سيرك التطرف هذا، عبر شركات العلاقات العامة التي تؤازره في ذلك الغرب، إلا أن الصائب أيضاً أن عواصم صنع القرار في أوروبا والولايات المتحدة ما قدمت شيئاً إلى الثورة السورية قبل ظهور «داعش».

وأغلب الظن أنها بيتت النية لذلك أساساً حتى لو بقي الحراك «غاندياً» صافياً، فالجميع يتذكر جولة سفير واشنطن لدى دمشق روبرت فورد في حماة صيف 2011، حينما قال جملته المشهورة، إن المتظاهرين لا يملكون سلاحاً سوى «المقلاع»، وكان حينها سيده في البيت الأبيض يرفض نطق عبارة «على الأسد الرحيل»، على الرغم من وجود آلاف القتلى، وبقاء الثورة على مظاهرها السلمية غير المسلحة، وفي ظل حركة نزوح الآلاف أيضاً إلى تركيا والأردن.

سداد المنطق

إن معركة فصائل الثورة المسلحة مع التنظيمات المتطرفة، المكون أغلبها من أجانب، أتوا من الخارج لا ينتمون إلى المجتمع السوري المتسامح وعقيدته وفكره وإرثه وتراثه الغني والمتنوع، تثبت سداد المنطلق، الذي حرك السوريين لقتال الأسد، فالبيئة السورية طاردة عبر التاريخ لمثل تلك المظاهر الشاذة.

وهي تحملت وصبرت لأكثر من أربعة عقود، ومنذ انقلاب اللجنة العسكرية في فبراير 1966، مظاهر طائفية مشابهة، تكره المجتمع وتستعديه وتعتبر نفسها في معركة وجود، لإنجاز أهدافها وبقاء نوعها، تمت تنشئتها ورعايتها وتغذيتها بأسلوبٍ ممنهجٍ، ورسمي من قبل نظام الأسدين.

والسوريون إن يحاربوا الأسد و«داعش» في ذات الوقت، فإنهم يكشفون حجم التشابه، بل والتواطؤ بين الجانبين، خاصةً إن تم استذكار مقولة رجل الأمن الأول لدى النظام علي مملوك، الذي اقتحم اجتماعاً مع مسؤولين أميركيين في دمشق في 2010، وأعطاهم محاضرات في كيفية محاربة التنظيمات المتشددة قائلاً بالحرف: «من حيث المبدأ نحن لم نهاجمهم أو نقم بقتلهم على الفور.

 نحن نقوم باختراقهم، ونقوم بالتحرك في الوقت المناسب». وعليه، وكما استطاع السوريون مواجهة آلة القتل العاتية منذ 33 شهراً، فإنهم قادرون على إسكات أصوات المتطرفين من هنا وهناك، وإثبات أن الأسد و«داعش» وجهان لعملة واحدة.

 

عمالة

 

نجح الثوار السوريون في طرد «داعش» من معاقلها، التي أقامتها في ريفي حلب وإدلب، حيث تكشفت مجازر مروعة بحق ناشطين موالين للثورة، ما يرسم أكثر من إشارة استفهام بشأن «عمالة» التنظيم لنظام الأسد.