كان من اللافت وغير الاعتيادي أن تعرض طهران الانضمام إلى واشنطن في دعم حكومة نوري المالكي في العراق بالسلاح لمواجهة الوضع في الفلوجة. ولم يكن أقل مدعاة للتوقف عنده تعامل إدارة الرئيس باراك أوباما مع هذا العرض والذي انطوى على ترحيب مبطّن أو على الأقل انطوى على عدم اعتراض.

فالحضور الإيراني في العراق ليس سراً. وكذلك مساندته للحكومة العراقية. فلماذا طرح الموضوع بصورة رسمية؟، ولماذا عملت الإدارة على تمييع العرض والامتناع عن رفضه، طالما تزعم واشنطن أن ما يصدر عن طهران يثير عادة شكوكها؟. هل في الأمر تناغم أو ترتيب مسبق أو تسليم بالأمر الواقع؟.

مآخذ وورقة

منذ انفجار الوضع في الأنبار مؤخراً وواشنطن تردّد بأنها تتعاون مع حكومة المالكي وأنها قرّرت تزويد القوات العرقية بالسلاح لتمكينها من مواجهة «القاعدة» في مدن المحافظة. تجاوزت الإدارة «المآخذ» على رئيس الحكومة لما يمارسه من استئثار في الحكم واستبعاد للآخرين. استحضرت ورقة «الصحوات» التي لجأت إليها قواتها في تلك المنطقة العام 2006 ودعت المالكي إلى إحيائها الآن لمقاتلة «القاعدة».

لكن كيف للمالكي أن يستعين بزعماء القبائل هناك للقيام بمثل هذا الدور وهو الذي قاتلهم وارسل قواته لمنع تظاهرات احتجاجهم على إهمال الحكومة لقضاياهم؟. في ردّها على سؤال «البيان» حول هذا النقطة، أجابت الناطقة الرسمية في وزارة الخارجية الأميركية بأن الإدارة «تدعو المالكي إلى التعاون مع قيادات المنطقة في القتال ضدّ القاعدة». أحالته إلى جهة لا ثقة لها به.

اكتمال التوليفة

وفي نفس الوقت، أعلن وزير الخارجية جون كيري بان إرسال قوات أميركية مجدداً إلى العراق مسألة غير واردة. بدا في ذلك وكأنه يؤكد المؤكد، ليس لتطمين الأميركيين ولكن ربما لتمهيد الطريق أمام المالكي ليطلب مساعدة آخرين. وفي هذه الحالة، إيران التي عرضت خدماتها على المكشوف. خاصة وأن القوات العراقية «تعاني من ضعف المعنويات فضلاً عن الجاهزية والسلاح وحتى من نقص الذخيرة»، وفق ما تقوله تقارير أميركية.

وبذلك تكون التوليفة اكتملت لتدخل إيراني ما في معركة الأنبار وبالتالي لشراكة في تقرير الشأن العراقي.

سيناريو غير مستبعد في ضوء التعامل الأميركي مع الوضع العراقي المتروك والسائر، وفق تقديرات أميركية، باتجاه واحد من احتمالين: «إما انفجار حرب أهلية وإما تفكك البلد»، لو بقي التدهور في مساره الراهن. فهناك ما يشبه نفض اليد من هذا الوضع على أساس أنه «على العراقيين تدبير أمرهم بأنفسهم». كما على أميركا «الابتعاد عن هذه الحرب الأهلية الجارية منذ 700 عام» على حدّ ما قاله أحد نواب الكونغرس. وكأنها رسالة إلى بغداد لتستعين بمن حضر. وصاحب العرض حاضر.

ولا يبدو أن هناك اعتراضا على عرضه الذي تقول السوابق المشابهة في التاريخ انه يتخذ من تقديم العون العسكري وسيلة لترسيخ وتثبيت دور سياسي يفرض التسليم به، إلاّ إذا كانت واشنطن تنصب فخّاً لطهران للتورط في المستنقع العراقي، كما هي متورطة في الأزمة السورية وبما يزيد من استنزافها.

وهو احتمال ضئيل في ضوء العجلة التي تبديها إدارة أوباما لإبرام صفقة مع إيران تقوم على مقايضة المشروع النووي بعلاقات وشراكة معينة تكون لإيران فيها حصة من النفوذ في المنطقة. وهذا لم يعد سرّاً في واشنطن.

 

خطوات سياسية

دعا وزير الخارجية الأميركي جون كيري خلال اتصال هاتفي بنظيره العراقي هوشيار زيباري إلى «خطوات سياسية لدعم الجهد الأمني في العراق». وأفادت الخارجية العراقية في بيان أمس أن كيري أجرى اتصالا هاتفيا مع زيباري «حول تطورات الأوضاع السياسية والأمنية في العراق والمنطقة».

وأعلن كيري: «وقوف الولايات المتحدة مع الحكومة الدستورية العراقية في مواجهة إرهاب القاعدة والمجاميع الإرهابية في الأنبار»، داعيا إلى «إجراءات وخطوات سياسية لدعم الجهد الأمني وتعزيز الوحدة الوطنية في مواجهة التحديات». من جهته، أعرب زيباري عن «تقدير الحكومة للدعم الأمني والعسكري لقوات الأمن العراقية في مكافحة الإرهاب والتزامها المتواصل لدعم العملية الديمقراطية الدستورية». بغداد- يو.بي.آي