بينما تبلورت قناعة شبه راسخة لدى الرأي العام السوري، بأن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، المعروف اختصاراً بـ«داعش» بات قوة لا تقهر داخل البيئات المحررة، على حساب تراجع نفوذ الفصائل العسكرية المعتدلة والسلفية المحلية، وتلك القوى السياسية المدنية. ثمة موقف ملتبس كان يراود مخيلة الذين ينشدون حلاً سياسياً عبر بوابة «جنيف 2»، تتعلق في كيفية التعامل مع «داعش»، ذراع القاعدة في سوريا، والتي تتحكم بجغرافية واسعة على الخريطة التي ستجري عليها التوافقات الدولية والإقليمية والمحلية.

لكن سرعان ما تغيرت هذه الاحتمالات، بمنوال دراماتيكي، إثر سقوط مواقع هذا التنظيم، واحد تلو آخر، تحت ضربات ائتلاف جيش المجاهدين والجبهة الإسلامية وجبهة النصرة منذ ثلاثة أيام مضت في المناطق المحررة، بحيث عجز بعض المراقبين عن استيعاب ماهية هذه المواجهات والتطورات التي تجري لصالح مقاتلي المعارضة السورية على أنقاض تحطيم أسطورة «داعش»، بسهولة لم تكن تخطر على بال أكثر المناهضين لها.

معطيات ذاتية

ورغم هذه التطورات المتسارعة في كيفية حدوث هذا الانزياح المفاجئ لصالح القوى الإسلامية المقاتلة، إلا أن المعطيات الذاتية والموضوعية قد نضجت بما فيه الكفاية لطي صفحة «داعش» نهائياً بحسب الثوار، حيث اختزلت الأسباب المباشرة بتكرار الانتهاكات بحق الفصائل الثورية والإسلامية واحتلالها المدن والبلدات التي كانت تحت قيادة «الجيش الحر» دون إيلاء أهمية لما سينجم عن ذلك من تداعيات.

كما أن التمادي المفرط وممارسة الجور والظلم بحق الحواضن الاجتماعية، وقتل النشطاء والإعلاميين وقادة الألوية والكتائب وبعض شيوخ الدين، تحت مسوغات مخالفة شرع الله، فضلاً عن تخندق «داعش» في الصفوف الخلفية والانشغال بتدشين أركان دولتها الإسلامية، مستفيدة من الفراغ الذي تركته العناصر الثورية بسبب المواجهات اليومية مع القوات النظامية على الجبهات الأمامية، كل هذه العوامل مجتمعة شكلت شرارة ذاتية، أفضت إلى توحيد جميع القوى العسكرية في حلب وإدلب بغرض تحطيم سطوة «داعش» وإنهاء حقبتها في المناطق المحررة، بمنوال مباغت وسريع.

رؤى موضوعية

ويعتقد المراقبون بأن العوامل الذاتية ليست وحدها من ساهمت بتغير موازيين القوى خلال فترة وجيزة، فثمة عوامل خارجية تتعلق بالأجندات والرؤى الخارجية يبدو أنها قد لعبت دوراً استراتيجياً في الانقضاض على تنظيم «داعش»، بعد أن أصبح خطرا يهدد الأمن الدولي والإقليمي، خاصة بعد انتشار نفوذها داخل لبنان والعراق، واتهام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تنظيمات إرهابية تنشط داخل سوريا في التفجيرات التي استهدفت روسيا.

في الوقت الذي تشكل توافق دولي بضرورة مكافحة الإرهاب المتفشي في سوريا وجدولته في المرتبة الأولى ضمن أعمال المؤتمر السلام الدولي في «جنيف 2». ويضاف إلى هذه العوامل تبني زعيم القاعدة أيمن الظواهري «جبهة النصرة» كذراع لتنظيم القاعدة على الأراضي السورية عوضاً عن «داعش».

مؤازرة دولية

وما سهل من مهمة تقدم القوات المعارضة وفق المراقبين، هو وجود مؤازرة دولية وعربية للقوى الإسلامية التي تحارب «داعش».

فحسب مصادر ثورية من داخل القوى المعارضة لا يمكن أن يستقيم التعاون وإرسال الدعم اللوجستي والعسكري إلى الأطراف التي تخوض مواجهة ضد «داعش» إلا على قاعدة توافق تعكس مصالح الطرفين، فقضم نفوذ «داعش» التي تمردت على الفصائل الداخلية والأجندات الخارجية معاً كان يشكل هدفاً استراتيجياً مشتركاً، وليس من قبيل الصدفة أن يدلي أحد أمراء «داعش» في مدينة جرابلس بتصريحات خاصة مع وجهاء المنطقة بأن الذين يحاربون «داعش» يتحركون وفق الرؤى الغربية والعربية، وهي بمثابة طعن بالظهر بعد سلسلة لقاءات سرية جمعت قيادات في «الجبهة الإسلامية» مع السفير فورد في مدينة أنطاكيا بتركيا.

 

سؤال

السؤال الذي يثير حفيظة السوريين، هل سيكون طي صفحة «داعش» حلقة جديدة في مسار توزيع الأدوار على القوى داخل المعارضة بغرض إطالة عمر الصراع التدميري في البلاد، أم ستنبثق من رحم هذه التطورات تموضعات جديدة داخل جسد المعارضة المسلحة تسهل عملية الانتقال إلى «جيف 2» بشروط دولية ومحلية مقبولة؟. البيان