بعد الأنباء الراشحة من غرف المفاوضات حول نجاح كيري في التوصل إلى صيغة مقبولة لدى الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي لملفات الحدود والأمن والقدس، ظهرت إلى العلن مطالبة نتانياهو بالاعتراف الفلسطيني بيهودية الدولة من جهة، والتمسك الفلسطيني بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وفق القرار 194 من جهة ثانية، لتبدد التوقعات بالتوصل إلى الاتفاق المرتقب.
ويرى مراقبون أن الفلسطينيين يفاوضون وفق مبدء «حل الدولتين» في حين يواصل نتانياهو سعيه لحرفها عن هذا المسار باتجاه رؤيته القديمة الجديدة «حل الشعبين» للتهرب من التوقيع على اتفاق نهائي. ويرى محللون أن المباحثات حول اليهودية واللاجئين ستطول، في حين سيرى إعلان المبادئ النور على ضوء الاتفاق على شكل الحل بالنسبة للحدود والأمن والقدس.
قرارات صعبة
وكشفت مصادر لـ«البيان» أن غور الأردن ومشكلة البقاء الإسرائيلي فيه من عدمه لم تعد المعضلة في التوصل إلى اتفاق، إذ ان كلا الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي أقدما على اتخاذ قرارات وصفت بالصعبة في هذا الشأن وغيره، إلا أن ما تتناوله خطة كيري الثالثة حول يهودية الدولة واللاجئين الفلسطينيين ألقت بظلالها على ساحة المفاوضات لأهميتها، ولم تترك متسعاً للحديث عن غيرها، إذ ان الخطة تحمل مطلب نتانياهو بأن تعترف منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية بإسرائيل كـ«دولة يهودية»، وهو ما رفضه، ومازال يرفضه، الجانب الفلسطيني، لأن مثل هكذا اعتراف يقوض القرار الدولي 194 الخاص بحقوق اللاجئين الفلسطينيين، ويمس بحقوق الفلسطينيين في الجليل والمثلث والنقب الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية ويواجهون مشاريع شطب الهوية عبر مشاريع تهويد الجليل والنقب.
ويتناول مشروع كيري أيضا قضية اللاجئين الفلسطينيين بشكل يعيد تعريف حق العودة للاجئين الفلسطينيين ليصبح مقتصراً على العودة إلى أراضي الدولة الفلسطينية مستقبلاً في الضفة وقطاع غزة.
حل الشعبين بدل الدولتين
ومن جهته يرى المحلل السياسي سمير عباهرة أن الحديث بات يقترب من «حل الشعبين» بدلاً من «حل الدولتين»، وعلى ضوء ذلك فإن الرؤية الأميركية والأسرائيلية تحاول دفع الجانب الفلسطيني إلى قبول حل مشكلة اللاجئين خارج حدود دولة إسرائيل، إما في الضفة الغربية أو قطاع غزة او توطينهم في البلاد التي يقيمون فيها، ولا مانع لديهم من التعويض المالي، وفي حال لم يتحقق ذلك فإن مكسبهما في طرح هذا الحصول على الموافقة الفلسطينية على منح عملية السلام مزيدا من الوقت بحجة ضرورة استمرار المباحثات.
وهذا الطرح عبر عنه نتانياهو في مقابلة صحافية عام 2010 في حوار مع صحيفة «الفيغارو» الفرنسية بقوله «إن العنصر الأول للحل هو أن يقبل شريك فلسطيني الاعتراف بالدولة اليهودية، وهذا ما يعني إنهاء أية مطالب مستقبلية وأن يتم توطين اللاجئين الفلسطينيين خارج حدود إسرائيل».
تكثيف الجهود
ونقل عن كيري قوله إنه «خلال الأسابيع والأشهر القادمة، سوف يتعين على الجانبين اتخاذ قرارات قاسية لضمان أن السلام لا يبقى مجرد إمكانية وحسب، بل أن يغدو أيضاً حقيقة بالنسبة للإسرائيليين والفلسطينيين وبالنسبة للأجيال الراهنة والمقبلة». ولتحقيق ذلك كان كيري قد أكد أنه يخطط للعمل مع الجانبين بدرجة أكثر كثافة في الأيام القادمة «لتضييق الفوارق حول إطار العمل الذي سيقدم الخطوط الإرشادية المُتفّق عليها بالنسبة للمفاوضات حول الوضع الدائم، سوف يتطلب هذا الوقت تنازلات من كلا الجانبين، لكن إطار العمل المتفق عليه سيشكل اختراقاً مهماً، وسيعالج كافة القضايا الجوهرية، وسوف يخلق الثوابت الأساسية والمحددة التي سيعرف الفريقان من خلالها إلى أين يسيران وماذا يمكن للنتيجة النهائية أن تنطوي عليه، وسوف يعالج إطار العمل جميع القضايا الجوهرية التي كنا نتعامل معها منذ اليوم الأول، بما في ذلك الحدود والأمن واللاجئين والقدس والاعتراف المتبادل وإنهاء النزاع وتحقيق جميع المطالب».
دهاء إسرائيلي
وفي ذات السياق لا يتوقع المحلل السياسي أحمد رفيق عوض تقديم القيادة الفلسطينية هذا التنازل، أي الاعتراف بيهودية الدولة، لأنها تعلم أبعاد ما يمكن لإسرائيل أن تقوم به نتيجة هذا الاعتراف من قرارات وقوانين ومصادرة وإلغاء حقوق، مضيفاً أن «الجانب الفلسطيني يدرك تماما أن الاقتراب من هذا يعد خيانة لفلسطين والعرب، فلن يجرء أي فلسطيني على العوم في هذه الساحة، ونتانياهو أيضا يعرف جيداً أنه لا يمكن أن يحصل من الفلسطينيين على مثل هذا الاعتراف، إلاّ أنه بهذا ينجح في كل مرة في تفريغ المفاوضات من مضمونها وترك أبوابها مشرعة وفضفاضة ويخرج من دائرة الضغط الأميركية والدولية للتوقيع على اتفاق نهائي، وهنا مكمن الدهاء الإسرائيلي».
آليات
أكد المحلل السياسي أحمد رفيق عوض أن اتفاق الإطار أو اعلان المبادئ هو الطريقة الأميركية للخروج من أزمة المفاوضات وإحداث خرق فيها ومنحها المزيد من الوقت، وأضاف «هو اتفاق على شكل الحل، وهذا ما تم فعلا، وكيري حضر في جولته العاشرة هذه المرة لوضع الآليات على سكة التنفيذ». البيان