أكد المفكر العربي المصري محمد حسنين هيكل في الحلقة الثالثة من حواره مع الإعلامية لميس الحديدي على فضائية «سي بي سي» ضمن برنامج «مصر أين وإلى أين؟» مساء أمس أن لجماعة الإخوان مرشداً خفياً يدير أمورها، واصفاً معركتها مع الشعب المصري بأنها «الأخيرة» لهم، في حين شدد فيما يخص موضوع استفتاء الدستور أن إقراره «لم يعد ترفاً»، وأن المصريين «أمام خيار أكون أو لا أكون».
ولفت هيكل في حواره على فضائية «سي بي سي» مساء أمس إلى أنّ «جماعة الإخوان ستقاتل بكل ما أوتيت من قوّة باعتبار أنّ الأوضاع الراهنة تمثّل معركتها الأخيرة»، مشيراً إلى أنّ «الخطر زال عن مصر برحيل الإخوان من سدة الحكم بفعل ثورة 30 يونيو». ووصف هيكل فترة حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك بأنها «شهدت انفتاحا لم يُحقق أهدافه وتحالفا مع الإخوان انقلب إلى نقيضه»، قائلاً:
«كان هناك حالة من الغليان حينما جاء مبارك إلى الحكم، فاختار تهدئة الأوضاع وإبقاءها على ما هي عليه، حتى تراكمت الأمور في عهده، وحدث انفجار 25 يناير». وأضاف: «أعتقد أن 25 يناير هو الفعل الثوري الأول لكن ما حدث عقب 25 يناير أننا أصبحنا مقبلين على أوضاع مخيفة جداً، كانت حركة عظيمة جدا لكنها بلا فكرة ولا قيادة، ومع انكسار خزّان مبارك بدأنا نشعر بالقلق مما نراه، لاسيّما أنّنا تصوّرنا أنه سيجيء بماء ثوري صاف بعد ذلك».
واستطرد: «لم نفاجأ فقط بالإخوان، لكن فوجئنا كذلك بعد سقوط نظام مبارك بسيلٍ من الفوضى»، لافتا إلى أنّ «اختيار المصريين للإخوان لم يكن اختيارا مبنيا على معرفة وعلى اختيار مستقبلي». وأوضح هيكل أنّ «المصريين أنهوا العام 2013 ومعهم تحديات صعبة، أبرزها جماعة الإخوان التي ستقاتل حتى أبعد مدى لأنّ خطرها أكبر مما نتصور». وأردف أنّ «فترة وجود الإخوان في سدة الحكم تسببت في خيبة أمل كبيرة وكثيرة لدى قطاع موسّع من الناس».
أكون أو لا أكون
وبشأن إمكانية عودة الجماعة لطاولة المفاوضات مع الدولة، تابع هيكل قائلاً: «أعتقد أن المائدة لم تعد موجودة في هذه اللحظة، لاسيّما أنهم عندما وصلوا إلى السلطة لم يفعلوا شيئا، وثار الشعب ضدهم في 30 يونيو»، مؤكّداً على «وجود عناصر إخوانية خفية ظهرت على السطح عقب توقيف القيادات».
وأردف أنّ «الحركات السرية لديها باستمرار الرصيد، وأن الذين يظهرون على الساحة الآن هم قيادات الصف الثالث الذين لا يبدون فكرا سياسيا». وأشار هيكل إلى وجود «مُرشد خفي» للجماعة، قائلاً: «في مكانٍ ما موجود من يقوم بوظائف المرشد، ويقال إن القيادي محمود عزت موجود في غزّة يقوم بذلك الدور».
وحول استفتاء الدستور المقرّر إجراؤه 14 و15 يناير الجاري، أردف هيكل: «إقرار مثل هذا الدستور لم يعد ترفاً، ولم يعد مسألة أقبل أو لا أقبل، العام 2014 كله محكوم بالضرورات حتى الاختيار أصبح مفروضاً بالضرورة، الخيار الآن أمام الشعب هو إما أن يكون أو لا يكون».
زوال الخطر
وفيما إذا كانت «الإخوان» انتهت فعليا أم لا؟، أبان هيكل: «كحركة لم تنته لكني أعتقد أن الجزء الإرهابي منها سوف ينتهي، وبشكل عام لابد أن نفرّق بين الإخوان والإسلام..
فمن الممكن أن يجد الإسلام كدين تعبيرا عنه بشكل معقول في مستقبل الأيام، لكني أرى في هذه اللحظة أن الإخوان ومع الأسف الشديد أوصلونا إلى حيث ما لا نعرف، فقد كان مُبارك يقول (إما أنا أو الإخوان)، ويقولون هم (إما نحن أو الحريق أو الخراب أو الفوضى)». ونوه إلى أنّ «الخطر الأكبر كان هو وجودهم في سدة الحكم وبيدهم السلطة، وبالتالي فإنّ خروجهم من الحكم يمثل زوال جزء كبير جداً من الخطر».
تاريخ دموي
وتطرّق المفكر المصري إلى «التاريخ الدموي لجماعة الإخوان»، لافتا إلى الحقبة الملكية «وكيف حاول مؤسس الجماعة حسن البنا أن يكون جنديا للقصر الملكي، لاسيّما أنّ حزب الوفد الليبرالي كان القوة الموجودة في الشارع والملك يحتاج أنصارا موالين والإخوان كان لديها الجاهزية أن تكون جند الملك في الشارع ضد الوفد».
واستطرد: «أعطاها الملك بالفعل المباركات، لكنها انقلبت في لحظة ضعف النظام الملكي مثل انحراف الملك فاروق وظروف حرب فلسطين، فاغتالت الجماعة رئيس الوزراء النقراشي باشا والقاضي أحمد الخازندار وسليم باشا ذكي»، موضحاً أنّه «وبمراجعة تاريخ الإخوان، نجد أنها استهدفت قوى الأمن أولاً ثم أصحاب القرار السياسي والقضاة لكي لا تطارد ولا يُحكم عليها ولكي تدرك السلطة أنها هي وحدها في الساحة».
ولفت هيكل إلى أنّه «وعقب سقوط الإخوان آنذاك والقبض على قادتها، اضمحل مركز الجماعة في مصر طيلة الأعوام التي تلت ذلك، وجاء ذلك الاضمحلال لصالح مركز الجماعة في دولٍ أخرى كسوريا والجزائر وليبيا»، مشيراً إلى أنّه «حينما حدثت ثورة 25 يناير وبدأ الاعتراف مُجددا بإخوان مصر حاول قيادات الإخوان الوصول للسلطة من أجل استخدامها لاسترداد مركز القيادات المصرية الشارد».
واشنطن و«الإخوان»
وأبان المفكر المصري أنّ رئيس ديوان الرئيس المعزول محمد مرسي، رفاعة الطهطاوي، قال لسفير إحدى الدول العربية إنّ الجماعة «لن تترك الحُكم ولديها 400 ألف شخص مُستعدون للشهادة»، مستطردا:
«تصورت الإخوان أن الأميركيين يبحثون عن الإسلاميين كحليف محتمل، وعندما وصلوا إلى الحكم تصوّروا أنهم ماكثون للأبد». واستطرد: «اعتقد الأميركيون أن ما يُسمونه الإسلام المعتدل سيكون قادراً على الرد على الإسلام المتطرّف، على الرغم من شواهد أن الإخوان بدأت بالدعوة ثم انتقلت إلى التنظيم الخاص ثم الفكر التكفيري»..
مشيراً إلى أنّ «رغبات وأهداف الولايات المتحدة والإخوان تلاقت، لا سيّما أنّ الطرفين يخوضان معركتهما الأخيرة، خاصة أنّ واشنطن تريد الخروج بشكل أو بآخر من المنطقة أو على الأقل تقليل خسائرها».
وفيما يتعلق بمصير تحالف الجماعة مع واشنطن في 2014، قال: «حتى هذه اللحظة الحليف الأميركي لديه مشكلة كبيرة جداً، فهو يتصوّر أنّه يحاول دعمها لإكمال المشروع الخاص بها، والذي تصور من ذي قبل أن يتم مع رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان الذي هو في طريقه للسقوط الآن، ومن ثمّ يتصورون أنّ الإخوان يمكن الاستعانة بهم لإنقاذ أردوغان في تركيا ومن ثم فنحن أمام لعبة مزدوجة».
حل ومشكلة
«هو حل ومشكلة». بهذه العبارة وصف هيكل فكرة وجود وزير الدفاع الفريق عبد الفتاح السيسي كرئيس، لافتا إلى أنّه «الحل لأنه لا يوجد حزب قادر على الزعامة، باعتبار أن الجيش أثبت مقدرته على حماية مصر بشكل جلي خلال الأعوام الماضية من خلال دوره في ثورتي 25 يناير و30 يونيو، لكن هذه المعارك التي خاضها كانت دفاعية في الأساس..
والآن هو مطالب بأن يحمي المستقبل في عملية قد تبدو هجومية، والمؤسسة العسكرية الآن أصبح دورها حيويا وأصبحت لا بديل لها». وأوضح هيكل أنّ «هناك العديد من المحاذير في طريق وجود الفريق السيسي رئيسا، أبرزها أنّ مهمة من يجيء هي مهمة كبيرة، وعليه أن يستعيد ثقة الشعب المصري في نفسه»، مشيراً إلى أنّ «أبرز التحديات التي تواجه في الداخل والخارج هي وجود بعض الأصوات الرافضة ....
وأنّ دولاً خارجية تعاني من مشكلة كبيرة جداً لأن خططها كلها التي كانت مبنية على ظرف معين سقطت بعد سقوط الإخوان». واستطرد أنّه «لا يعرف حتى هذه اللحظة ما إذا كان الفريق السيسي سيرشّح نفسه أم لا». ونقل عن السيسي قوله بأنه «يسمع الدعوات القائلة (يسقط حكم العسكر) على الرغم من وجود رئيس مدني وحكومة مدنية، فماذا إذا كنت أنا في السلطة وقيل يسقط حكم العسكر؟». البيان
