بعد عشر زيارات قام بها وزير الخارجية الأميركي جون كيري إلى المنطقة وعشرين جولة مفاوضات منذ يوليو الماضي بين الفلسطينيين والإسرائيليين وبعد عشرين عاماً على اتفاق أوسلو، تبدو مهمة كيري وكأنها تسير باتجاه إعادة إنتاج نسخة أخرى من أوسلو، تحت عنوان «اتفاق إطار» فيه تتحدّد الخطوط وتتواصل المفاوضات لتنفيذها على مراحل معينة، تماماً كما كان الحال مع أوسلو، الذي كان من المفترض أن يجري إنجاز ترجمتها على الأرض العام 1999 بإقامة دولة فلسطينية.

تفاؤل كيري وكلامه عن حل شامل مع نهاية أبريل المقبل وعن أن الوقت «لا يعمل» لصالح السلام، كله تبخّر، حيث إن تعجيز رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو جعله يسلّم عملياً بعجزه ويرتضي بصيغة «الإطار»، وبالأحرى جعله يتراجع، والتراجع صار ماركة مسجلة لهذه الإدارة، خصوصاً في الشرق الأوسط. فالإدارة مستعجلة للخروج بشيء ما قبل نهاية مهلة التسعة أشهر القريبة، وتم تقديم زيارة كيري حوالي أسبوع لتسويق ما قيل بأنها «الصيغة النهائية للإطار» التي تردّد بأنها قريبة مما طرحه الرئيس الأسبق بيل كلينتون في «كامب ديفيد» العام 2000.

تطهير عرقي

الجديد، بحسب المتداول في بعض الدوائر المحسوبة على إسرائيل، يتعلق بمقايضة الأراضي، بحيث تحتفظ تل أبيب بالمستوطنات الكبرى مقابل ضمّ منطقة المثلث المتاخم لشمال غرب الضفة إلى أراضي الدولة الفلسطينية. والمعروف أن هذا الشريط يسكنه عرب الـ48 وكانت فكرة التخلي عنه مطروحة سابقاً من جانب جنرالات إسرائيليين على أساس أن العرب «قنبلة ديمغرافية» داخل إسرائيل ..

وبالتالي من الممكن التخلي عنها. لكن الأمر في حقيقته عملية تطهير عرقي تعزّز مطالبة نتانياهو باعتراف الفلسطينيين بالدولة اليهودية. ويقال إن الإدارة الأميركية أبدت حذرها من هذه الناحية، نظراً لحساسية هذا الجانب لكن ليس من المستبعد أن يحملها عجزها أمام التعجيز الإسرائيلي على تسويغ هذه المعادلة أو العمل على تخريجها بعد تسويقها مع الطرف الفلسطيني على أساس أنها جرت بالتوافق، تماماً كما تعاملت مع المطالب الإسرائيلية الأمنية ومنها إبقاء قوات إسرائيلية على حدود وادي الأردن والذي بقي موقف واشنطن منه رمادياً.

ترويج وتزخيم

الإدارة روّجت لزيارة كيري على أنها ترمي لـ«تزخيم» المفاوضات ولوضع الجانبين أمام تصوّر واضح لما ستكون عليه التسوية، وحملهما على الالتزام به وبما يجعل من إنجاز المتبقي عملية تحصيل حاصل. تعليل مشكوك فيه لدى المتابعين للمفاوضات في واشنطن خاصة لدى الأوساط اليهودية الأميركية الليكودية، التي عملت من البداية على إحاطة مهمة كيري بالارتياب والتبشير سلفاً بفشلها.

وبذلك هي تقوم بدورها لتطويق موقف الإدارة الرخو أصلاً. فمجرد العودة إلى الأوليات والخطوط العريضة المفترض أنه جرى تجاوزها، مع التركيز أساساً على تلبية المطالب الإسرائيلية التي لا قعر لها، يعني فسح المجال لنتانياهو لممارسة لعبة شراء الوقت، أو بالأحرى ليمارس «اللعب» على كيري الذي «يلعب» بدوره على الفلسطينيين.

التراجع عن الحل الكامل الموعود والمقبول حوّل تفاؤل كيري إلى شيء من الوهم. فبعد عشر زيارات انتهى إلى صيغة المراحل التي يفترض أنه تقادم عليها الزمن. الإدارة تأمل تجاوب إسرائيل بما يمكن تسويقه للفلسطينيين. كل المقترحات التي طرحتها منشأها إسرائيلي. خاصة الضمانات الأمنية وصيغة مقايضة الأراضي والتي بلورها دافيد ماكوفسكي الذي جرى ضمّه أخيراً إلى الفريق الأميركي في المفاوضات والذي كان يعمل كباحث في «مركز سياسة الشرق الأدنى»، أحد فروع اللوبي الإسرائيلي في واشنطن. وكلها برسم التفاوض المفتوح على «أوسلو 2» بأحسن أحواله، والسوابق شاهد.