ارتفعت حدة العنف الدائر في سياق الصراع السوري اليومي إلى مستويات مرعبة خلال الأسابيع والأيام المنصرمة. وتطورت وسائل «الإبادة» المستهدفة في وجه البيئات المناهضة لنظام بشار الأسد إلى درجات فاقت التصور. فإذا كان السوريون اعتقدوا أنه لن يكون ثمة أسلوب إبادة أكثر شناعة من استخدام «الأسلحة الكيماوية»، فإن حملة «براميل الموت» التي تحصد يومياً أرواح المدنيين من نساء وأطفال في حلب تجاوزت وحشية وشراسة السلاح الكيماوي بحسب النشطاء. والغاية من ذلك كما يقولون إعادة حكم شرعية الأسد دولياً ومحلياً.

مناخات غير مشجعة

ويرى المراقبون أن هذه الحملة الوحشية التي تطال الأحياء السكنية الفقيرة في حلب، واستفحال الأزمة الإنسانية إلى حدود قصوى في الداخل، بالتوازي مع تدهور أوضاع اللاجئين في دول الجوار إلى الحضيض، لا تبشر بوجود مناخات مشجعة تفسح السبل أمام عقد مؤتمر جنيف مونترو. حيث اشترط الائتلاف الوطني السوري مشاركته في مؤتمر السلام بضرورة وقف حملة الإبادة بالبراميل المتفجرة على أحياء حلب وريفها في حين اعتبر المعارضون في الداخل أن النظام قرر تدمير حلب بالبراميل المتفجرة كورقة الضغط على خصومه قبيل مشاركته في مؤتمر «جنيف2».

عنف منفلت

وتعتبر الكاتبة والناشطة السورية سماح هدايا أن موجة العنف منذ بداية الثورة اتخذت أشكالاً مختلفة، وقالت: «نشهد حالياً عنفاً شاملاً ومنفلتاً من دون أي رادع أخلاقي وقانوني، يهدف إلى تركيع الناس ليستسلموا ويقبلوا الذهاب إلى التفاوض مع السلطة المجرمة الآمرة والناهية التي تملك قرار التدمير».

وتطالب الكاتبة السورية المعارضة أن تنسحب كل قوى المعارضة من «جنيف2»، حيث يرمي هذا المؤتمر لإعادة الشرعية والسيادة لنظام بشار وعصاباته التي تمارس حرب الإبادة في الشعب السوري بحسب تعبيرها.

إجبار المعارضة

وتتفق القوى الثورية في الداخل على أن تزايد موجة العنف ضد البيئات الحاضنة يدخل في سياق إجبار المعارضة على الرضوخ لشروط «جنيف2».

ويؤكد إياد قصي، وهو الذي يقود المجالس العسكرية في حمص، في معرض تفسيره دوافع إلقاء النظام البراميل المتفجرة على أحياء آمنة بأنه يدخل كجزء من الضغط الذي تتعرض له الثورة والثوار خارجياً وداخلياً وعلى كافة الصعد للقبول بالذهاب إلى «جنيف2» ومن ثم القبول بمقرراتها.

لا يعتبر إياد أن إبادة حلب لوحدها هدف أمام النظام وحلفائه الدوليين، فهو يشير إلى أن حال الجرحى السوريين في دول الجوار، والأزمة الإنسانية التي يعاني منها اللاجئون السوريون بالأردن ولبنان وتركيا على مرأى ومسمع من العالم أجمع، وتخلي العالم عن واجباته الإنسانية تجاه الشعب السوري، واشتراك أطراف خارجية في الصراع لصالح النظام السوري، إنما تجري بمباركة إسرائيلية وأميركية. مؤكداً «تصاعد وتيرة القصف ومنها براميل الموت هو جزء من هذا الضغط الممنهج».

إعادة الشرعية

ووفق تقديرات أطراف ثورية محلية فإن الاتفاق الذي حصل بين روسيا والولايات المتحدة بخصوص تسليم الأسد للسلاح الكيماوي مقابل عدم توجيه أي ضربة عسكرية له، وعدم محاسبته بأي شكل. كان يتضمن إعادة الشرعية السياسية الدولية لنظام الأسد. ومنحه الصلاحية الكاملة لمحاربة «الإرهاب» بالطريقة التي يراها مناسبة مقابل انصياعه للإرادة الدولية. وتدفع روسيا حالياً بهذا الاتجاه بعدما ضمنت الوصول إلى «جنيف2».

تشتت الثوار

ما يسهل مهمة النظام السوري في تطبيق المنهجية المدمرة يكمن في تشتت المكونات السياسية والعسكرية للثورة. وتنازعها إيديولوجياً ومصلحياً وفصائلياً وحتى مليشيوياً، بسبب تبعية كل تيار لقوة إقليمية أو دولية لديها مصالح وأجندات تختلف عن مصالح وأجندات القوى الأخرى، وما يزيد من الوضع سوءاً بحسب المراقبين هو غياب أي رؤية سياسية اجتماعية يمكن أن تشكل أرضية للانطلاق منها. وعليه يقول عامر الحلبي وهو ناشط ميداني من داخل حلب: «يجب علينا جميعاً أن نعلم أن الأسوأ قادم، وأننا ما زلنا في أول الغيث».

الغيوم وحدها تحمي سكان حلب من الموت

تتوسل هيام إلى الله بألا تنقشع الغيوم المنتشرة في سماء حلب، فبسبب هذه الغيوم المتشكلة، كما تقول هيام، وهي ناشطة مدنية، تعمل في مجال الإغاثة في المناطق المحررة، لن يخرج الطيران المروحي لإلقاء البراميل المتفجرة على رؤوس سكان المدينة، «لأنه سيضطر إلى النزول دون مستوى الغيوم، وبالتالي سيصبح في المدى المجدي لمضادات القوات المعارضة الأرضية»، بيد أن هذه الأمنية، تتبدد حين يقاطعها زميلها محمد الحلبي الذي يقول: «غداً سيكون أيضاً الطقس غائماً، لكن نحن على موعد مع الشمس، وإجرام العصابة، والموت يوم الجمعة المقبل».

ويتأسف محمد، الذي يسرد بعض المعلومات العسكرية بأن طائرات الهيلكوبتر المخصصة لرمي البراميل المتفجرة، تحلق فوق ارتفاع خمسة كيلومترات، بحيث يصعب على الصواريخ المضادة بيد الثوار أن تسقطها أرضاً على اعتبار المدى الأقصى لتلك الصواريخ، يقدر بـ 4 كلم».

وهكذا تنكشف الأحياء السكنية الفقيرة في حلب، منذ أسابيع خلت أمام ما يسمى حملة «براميل الموت»، التي يطلقها الطيران النظامي من دون وجود رادع يحتمي به المدنيون والعسكريون تاركاً الأهالي يتخبطون في حالة من الخوف والذعر، فالموت قد يأتي إليهم في أي لحظة.

ويقول أبو مجاهد، الذي يوثق الأحداث الدامية في حلب: «خسرنا الكثير من الضحايا المدنيين، خلال هذه الحملة، وهذا ما سبب حالة الرعب والهلع الذي أدى بالناس إلى النزوح حتى إلى العراء في النهار، والعودة ليلاً إلى منازلهم، ومنهم من آثر النزوح إلى خارج البلاد».

وترفض المجالس المدنية الاستسلام لهذا الواقع المرير، فهي تسارع في شق طريقها على الأنقاض في الأحياء المتضررة لتأمين مادة الخبز إلى الناس، الذين يخشون الخروج من البيوت.