مع بدء فجر اليوم انتهى الموعد الذي حدّد رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي لتطهير صحراء الأنبار كاملة غير منقوصة من عناصر الإرهاب لاسيّما تنظيم القاعدة، إذ ووفقاً للوعد الحكومي ينبغي خلو هذه الصحراء التي تمثّل ثلث مساحة العراق من أي وجود مسلّح عدا الجيش النظامي.

فيما أعلنت الحكومة قبيل أيام تلقيها نصيحة أميركية بعدم نشر القوات في الصحراء والاكتفاء بضربات الجو وبأسلحة خاصة يجري تزويد القوات العراقية بها ومن خلال خرائط الرصد الجوي الأميركية التي تقوم بها الأقمار الصناعية أو الطائرات المسيّرة.

سحب مدة

ويرى خبراء عسكريون أنّ «مجرد الإعلان عن الاكتفاء بالضربات الجوية يعني التخلّي عن فكرة السيطرة على الأرض أو حتى إقامة قواعد محصّنة في تلك الصحراء الوعرة، إذ لم يفعل الأميركيون ذلك طيلة مدة وجود قواتهم في العراق»، لافتين إلى أنّ ذلك يعني أيضاً سحب مدّة الأسبوع لتطهير الصحراء ما يدفع إلى التساؤل: ما هي نتائج حملة تطهير الصحراء؟ علما أن "الخصم" ليست لديه مواقع أرضية ثابتة، لكي يقال تمّ تطهيرها».

أزمة بديلة

ولابدّ قبل طرح مثل هذا التساؤل من إثارة قضية أخرى تشغل الرأي العام كما دأبت الحكومة طيلة السنوات الماضية بإيجاد أزمة للتغطية على أزمة، إذ أصبحت الأزمات تراكمية ما استدعى طرح القائد العام للقوات المسلحة البديل عن تطهير الصحراء وهو حرق ما أسماها «ساحات الفتنة» التي يقصد بها ساحات الاعتصام السلمية المستمرة منذ أكثر من عام تحت الرقابة الحكومية.

يقول المالكي إنّ صلاة الجمعة الماضية هي «الصلاة الموحدة الأخيرة»، لان مكان إقامة الصلاة هو المسجد وليس الساحات، فيما يرى القائمون على الصلاة الموحّدة أنّها من صلب الشرع وليس هناك جامع يتسع لعشرات أو مئات الآلاف من المصلين .

وهي تقام في أي مكان ولا يجيز الشرع الإسلامي منع صلاة موحّدة أينما تكون، وأنّ إطلاق تسمية «ساحات الفتنة» على ساحات إقامة صلوات الجمعة الموحّدة لا يخلو من نَفَس طائفي، لاسيما وأنّ المالكي تحدث بالنص قائلا: «ستكون صلاة الجمعة الموحّدة هذه هي الأخيرة».

توقيت غير مناسب

ويرى المحلل السياسي ساهر عبد الله أنّ «الغريب في تصريحات المالكي أنّها تأتي متزامنة مع جهود تبذل لحل أزمة الاعتصامات يبذلها نائب الرئيس خضير الخزاعي ورئيس البرلمان أسامة النجيفي ومحافظ الأنبار احمد الذيابي، فضلاً عن وعود قطعها وزير الدفاع وكالة سعدون الدليمي لشيوخ عشائر الأنبار أنّ خيار اقتحام ساحة اعتصام وصلاة الأنبار غير وارد إطلاقا.

وكذلك وعود مماثلة من المالكي نقلها عنه نائب رئيس الجمهورية خضير الخزاعي»، مشيراً إلى أنّ «السياسيين اعتادوا على تصريحات ومواقف المالكي المتناقضة وغير المحسوبة إذ يعتقد أنّه سيطر فعلا على صحراء الأنبار وقضى على تنظيم القاعدة الذي يعتقد أيضاً أنّه يحمي ساحات الاعتصام لذلك فإن بإمكانه ضربها بسهولة».

خدمة مجانية

ويشدّد عبد الله على أنّ «ضرب وحرق ساحة الاعتصام والصلاة ليس عملا بطوليا لأنّها خالية من السلاح وتخضع للتفتيش المستمر بمن في ذلك الداخل لها والخارج منها، مبيّناً أنّ «عواقب مثل هذا العمل ستكون كارثية باعتبار أنّ الموجودين في الساحة هم أصلا من غير المؤيدين لتنظيم القاعدة ويختلفون معها فكريا وينتمون لعشائر تمتد من شمال العراق إلى جنوبه ومثل هكذا عمل من شأنه أن يحرق العراق كله».

بدوره، يرى الكاتب والصحافي زيد الزبيدي أنّ «المالكي إذا ما أقدم على ضرب ساحة الاعتصام والصلاة الموحّدة فإنّه ينفّذ ما يبتغيه تنظيم القاعدة، قائلاً: «لا أشك في أن رئيس الوزراء نوري المالكي لا علاقة له بتنظيم القاعدة، إلّا أنّه في الكثير من أفعاله تتناغم مع ذلك التنظيم، ومنها على سبيل المثال تحويل معظم المعتصمين السلميين الذين تم ضربهم في ساحة الحويجة، وعوائلهم وبعض عشائرهم إلى مقاتلين في تنظيم القاعدة».

مطالب ثأر

ويؤكّد الزبيدي أنّ «غالبية المنتمين إلى تنظيم القاعدة لا يؤيدون فكر ونهج قادة التنظيم، وإنما دفعتهم إليه الحكومة بنهجها الطائفي، فضلاً إلى وجود طالبي الثأر، حتى ولو بالانتحار!!»

وهدّد منظمو وقادة ساحتي اعتصام الفلوجة والرمادي، كل من يقترب من أسوار ساحات الاعتصام بأنّ أطفاله سيصبحون أيتاما وزوجته أرملة، مؤكّدين أنّ «الهلاك سيكون مصير الميليشيات والعصابات التي ستستهدف المعتصمين»، مشيرين إلى أنّ «العشائر لن تقف مكتوفة الأيدي وستدافع عن المعتصمين».

تهديدات مقابلة

ويقول أحد منظّمي اعتصام الرمادي الشيخ محمد الدليمي، إنّ «المالكي يريدها حربا لكسب الانتخابات القادمة وليكون له نصر إجرامي من خلال قمع أصوات الأحرار من أهل الأنبار الذين يرفعون مطالب مشروعة.

مضيفاً: «نحن نؤكد له ولكل من يقترب من أسوار ساحات الاعتصام سنتصدى لكم وبقوة العشائر وجيشها، من يريد أن ييتم أطفاله وتترمل زوجته فليقترب من ساحات الاعتصام، مصير الميليشيات والعصابات التي ستستهدف المعتصمين الهلاك لا محالة»، مشيراً إلى أنّ «العشائر والمقاومة دحرت أكبر جيوش الاحتلال في العالم وهو الجيش الأميركي، وعلى المالكي تقديم الاعتذار لأهله وشعبه قبل فوات الأوان».

 

معترك عشائري

 

يؤكد الناطق الإعلامي لساحة شهداء الفلوجة الشيخ محمد البجاري، أنّ «العشائر لن تقف مكتوفة الأيدي وستدافع عن أبنائها المعتصمين في حال استهدافهم من أي قوة تريد قتلهم وحرق خيامهم».

مشدّدا على ضرورة أن «يتجنب المالكي تلك الأخطاء التي ستربك الوضع الأمني والسياسي». ويضيف البجاري أنّ «المالكي يعلم أن أهل ساحات الاعتصام يرفعون مطالب دستورية، لكنه يصفهم عبر تصريحاته بأنهم فقاعة، متسائلا «هل هذا هو منطق رئيس وزراء دولة؟»