تصاعدت وتيرة العنف في ليبيا وبات الوضع الأمني هشاً جداً في الوقت الذي يزداد الصراع بين الميليشيات (الثوار السابقون) فضلاً عن اشتباكات بين القبائل تقع هنا وهناك مما ينذر بانهيار الدولة الليبية رغم محاولات الحكومة السيطرة على الوضع، الأمر الذي يطرح عدة تساؤلات حول مدى استمرار موجة العنف في البلاد، في ظل مخاوف دولية بتطوره.
ويبدو كما هو واضح أن أحلام الليبيين بالسير بخطى ثابتة نحو بناء الدولة الليبية الحديثة وتشييدها قد تلاشت وأن أهداف «ثورة 17 فبراير » التي نادت بالعمل سويا تحت راية الوطن لم تتحقق أيضا، حيث لا تزال ليبيا تعاني من انفلات امني كبير عكسته الفوضى المنتشرة في البلاد، بعد الإطاحة بنظام العقيد الليبي الراحل معمر القذافي.
تقرير أممي
وعلى إثر تفجر الأوضاع الأمنية أصدرت الأمم المتحدة تقريرا عن الوضع الأمني في ليبيا، معربة عن قلقها البالغ إزاء تنامي حدة احداث العنف في البلاد، حيث أشار إلى استمرار الاغتيالات ومواصلة أنشطة المجموعات المسلحة، فضلا عن الهجمات والتهديدات لأعضاء السلك الدبلوماسي في جميع أنحاء ليبيا، بما في ذلك في العاصمة طرابلس الغرب كما نبه التقرير من تنامي ظاهرة الإرهاب والفكر المتشدد الذي يهدد سلامة التراب الوطني الليبي.
ويرى مراقبون أن عدم صلابة الحكومة وضعفها خلفا وراءهما قبائل وعشائر موالية للنظام السابق (القذافي)، والتي لا يتجاوز نفوذها المناطق المحلية التي تتواجد بها.
ويرى عضو التجمع الفيدرالي وأحد القادة العسكريين في الثورة الليبية عبدالجواد البديني، عن تلك الأزمة، أن «الأحزاب التي لا يوجد قانون ينظمها خلال المرحلة الحالية، تبتعد كثيرا عن المطالب الأساسية للشعب الليبي وتفتقر للقاعدة الشعبية، وهو ما عزز حالة الانفلات الأمني»، متهما الأحزاب بتغليب أجندات سياسية على حساب المصالح الوطنية.
وعزا البديني الوضع الأمني الحالي في بلاده إلى سعي الأحزاب السياسية لسد الفراغ الذي خلفه إسقاط النظام، عبر الاستحواذ على مؤسسات الدولة وتعزيز قوتها بميليشيات موالية يطلق عليها الدروع، وهو جاء على حساب «دولة تنحاز للقانون والدستور وتقف على مسافة واحدة من جميع الليبيين».
وأيده في ذلك المحلل السياسي الليبي فاضل الأمين، الذي وصف الأحزاب السياسية الليبية بأنها «غير ناضجة» جراء عدم وجود تجارب حزبية ناجحة في ظل النظام الليبي السابق، وهو ما برز في الصراعات داخل المؤتمر الوطني (البرلمان) وخارجه، مما استدعى بعض تلك الأطراف للاستعانة بمسلحين والدفع باتجاه سن قوانين على المستوى الوطني تتفق مع أجندتها.
وبدوره، قال الناطق الرسمي باسم رئاسة الأركان في الجيش الليبي علي الشيخي، في مقابلة مع موقع «راديو سوا» إن «التجاذبات السياسية دفعت التشكيلات التي لها طابع جهوي أو عقائدي أو تلك التي تحمل سلاحاً غير شرعي إلى التحرك للاستفادة من هذا الوضع والدفع باتجاه مصالحها».
مفهوم «المناطقية»
في الأثناء، تعزز لدى الليبيين مفهوم «المناطقية» وهو ما عزز الصراع الدائر بين الكتل السياسية في هذه الأزمة ودفع أطرافاً مسلحة للسيطرة على مناطق بعينها.
أزمة سياسية بين المركز في العاصمة طرابلس، وبين الأطراف في الأقاليم الأخرى، فاقمت من المشكلات الأمنية بمستويات مختلفة في تلك المناطق وسط تزايد المخاوف من تفاقم المشكلة الأمنية وبحسب مصادر رسمية، فقد أضحى الملف الأمني من أبرز التحديات أمام عملية الانتقال وبناء الدولة في ليبيا، وذلك بعد فشل الخطط والبرامج التي تم اعتمادها منذ تأسيس المجلس الانتقالي في 27 فبراير 2011 مما يجعل المستقبل الليبي مفتوحاً على جميع الاحتمالات.
