ربما لا يدري كثيرون أن ساحة الاستقلال في قلب العاصمة الأوكرانية كييف، المسماة «ميدان نزاليزنوستي»، تشترك في كثير من الأوجه مع ساحات مدن عربية، ليس فقط لأنها كانت مهد الثورات..
ومركز التظاهرات ومحرك التغييرات في كييف، بل لأن كلمة «ميدان» باللغة الأوكرانية تعني ما تعنيه بالعربية أيضاً. إن هذا التشابه مرده لغوياً إلى تأثيرات التتار في أوكرانيا، وتاريخياً، على ما يبدو، للقدر المشترك للعديد من الدول العربية وأوكرانيا في مواجهة التسلط الخارجي والسعي إلى الحرية.
اكتسبت ساحة الاستقلال اسمها مطلع تسعينات القرن الماضي حينما استقلت البلاد عن الاتحاد السوفييتي السابق، حيث كانت تدعى إبان حقبة الشيوعية البائدة بـ«ساحة ثورة أكتوبر» وقبلها «ساحة السوفييت». «ميدان»، كما يحلو للأوكرانيين تسميته، يقع في شارع خريشاتيك الذي يضم بين جنباته أبرز المباني الحكومية، مثل مجلس المدينة والتلفزيون الرسمي، فضلاً عن متاجر العلامات الفاخرة ويبلغ طوله 1.2 كيلومتر.
ساحة التظاهرات
وفي الساحة، التي كان يشقها في القرن 19 سوقاً مفتوحة لعرض البضائع والمواد الغذائية أو ما يعرف هناك أيضاً بـ«البازار»، تظاهر الأوكرانيون غير مرة رفضاً للحكم القائم. أول الاحتجاجات البارزة انطلق في شتاء العام 2000 واستمرت حتى ربيع 2001 خلال حملة «أوكرانيا من دون كوتشما»، نسبةً إلى الرئيس الأسبق الموالي لروسيا ليونيد كوتشما الذي اتُهم بالتورط في اغتيال صحافي معارض. تمكنت السلطات حينها من إنهاء التظاهرات بالاحتيال عبر اصطناع أعمال صيانة للساحة وإغلاقها تالياً، ما صعب مهمة إكمال الاعتصامات على المحتجين.
لكن لم تكن أحداث مطلع الألفية إلا مقدمةً لما حصل بعد ذلك بثلاثة أعوام فقط وتحديداً في نوفمبر 2004 حينما انتفض الأوكرانيون في «الثورة البرتقالية» التي جاءت احتجاجاً على تزوير الانتخابات الرئاسية لصالح مرشح موسكو المفضل الرئيس الحالي فيكتور يانوكوفيتش. استمرت تلك التظاهرات 62 يوماً وعسكر فيها الأوكرانيون في «ميدان» على الرغم من برد بلادهم المعروف بقسوته والآتي من جارتهم الكبرى روسيا.
وانتهت «الثورة البرتقالية» هذه المرة نهاية سعيدة بإعلان المحكمة الدستورية العليا بطلان نتائج الانتخابات، فوصل فيكتور يوشينكو إلى الحكم كأول رئيس ينتمي إلى الأغلبية الأوكرانية والأول الذي يكتسب شرعية ثورية، فكان لزاماً عليه أن يؤدي اليمين الدستورية في الساحة أمام الجماهير الغفيرة.
«ميدان أوروبا»
واليوم، يضرب الأوكرانيون موعداً جديداً مع الشتاء القارس فيتظاهرون في ساحة الاستقلال في نوفمبر للتعبير عن سخطهم من حكم يانوكوفيتش وسوء إدارته اقتصاد البلاد وإصراره على البقاء أسيراً للماضي والبقاء رهن نفوذ الكرملين وتناسي حقيقة انتماء أوكرانيا إلى أوروبا. وإن عمد بعض المحتجين إلى تغيير اسم الساحة إلى «ميدان أوروبا»، للتأكيد على هوية الهبة الشعبية..
فإن لقب «ميدان نزاليزنوستي» سيبقى هو السائد في قلوب وعقول الأوكرانيين كمحطة رئيسية في عملية الانتقال نحو مستقبلٍ لا يرتبط بهيمنة الأخ الأكبر ويشدد على مفهوم الحرية والسيادة التي هي جزء أصيل من إرث الأوكرانيين.
خلفية
انطلقت التظاهرات الحالية في 21 نوفمبر الماضي بشكلٍ ضئيل في البداية للضغط على الحكم قبيل قمة فيلينوس في ليتوانيا، ثم ما لبثت أن تفاقمت في 30 نوفمبر بعد أن رفض الرئيس فيكتور يانوكوفيتش توقيع اتفاق الشراكة مع أوروبا، حيث وصلت أرقام المحتجين إلى قرابة نصف مليون. البيان
