وجّهت وكالات الأمم المتحدة قبل أيام نداءً للمانحين لتوفير 6.5 مليارات دولار، وهو مبلغ كبير لم يسبق أن طلبته المنظمة الدولية من أجل أزمة إنسانية في مواجهة احتمالات تدهور الموقف داخل سوريا واستمرار تدفق اللاجئين إلى خارجها خلال العام المقبل.. ما يعكس قلقاً متعاظماً تجاه انزلاق هذه التراجيديا الإنسانية المستمرة فصولاً دموية منذ ما يزيد على الألف يوم إلى مجاهل جديدة في ضوء تعثّر الحل السياسي وانغلاق آفاقه.

النداء يكشف حجم الأزمة الإنسانية التي سبّبتها نكبة القرن الـ21 التي طالت الشعب السوري الذي بات نحو سبعة ملايين من نفوسه مشرّدين في الداخل ونصف هذا العدد في الخارج، ومات الآلاف من أبنائه غرقاً في مياه البحر الأبيض المتوسط خلال البحث عن ملاذ.

ورغم الجهود الكبيرة التي قامت بها منظمات الغوث ومنظمات الهلال الأحمر على مدى الشهور الماضية، لاتزال الاحتياجات هائلة وتفوق الإمكانات والجهود المبذولة كما يحول انعدام الأمن بشكل دائم دون الوصول إلى العديد من المناطق.

وما يرتسم من فصول هذه المعاناة ما هو إلاّ انعكاس لتقاعس المجتمع الدولي عن التحرك السريع، والفشل في التعاطي مع المشكلة في ظل انعدام الحد الأدنى من التوافق. ولابدّ هنا من الإشارة إلى قول مبعوثة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية فاليري آموس: إنّ العالم لم يتفهم مأساة اللاجئين السوريين ولم يهب لنجدتهم.. وبالتالي فإنّ المجتمع الدولي مشترك في هذه الجريمة.

وإذا كانت مأساة اللاجئين الفلسطينيين تشكّلت قبل سبعة عقود تقريباً بفعل اغتصاب أرضهم من قبل عدو لم تجد حلاً وباتت نسياً منسياً، فإنّ المأساة السورية تبدو أكثر تعقيداً مع ولادة حالة من الحقد الأهلي، وتملّك نزعة الثأر والانتقام جميع الأطراف الغارقين في المهزلة الحاصلة والتي لا تبدو لها نهاية.

الوضع الراهن لا يبشر بعودة وشيكة للاجئين إلى بيوتهم، بل إنّ لجوء النظام إلى القتل الأعمى بالبراميل المتفجّرة يهدّد بموجات نزوح جديدة، بل بخلق جيل من الأيتام، وتشكيل جيل ممن تصاحبهم الكوابيس، الذين سيستعصون مستقبلاً على التعافي.. وبالتالي سيبقون شاهداً على الجريمة التي «اغتصبت» براءة الطفولة فيهم، وحرمتهم من التعليم، ومن الطبابة، ومن العيش في أكناف آبائهم وأمهاتهم..

وهكذا تمزّق هذه الكارثة الإنسانية المأساوية مستقبل سوريا بعدما انتهكت طفولته، ووأدت أجياله الشابة، فحوّلته من جيل يبني إلى جيل يستلذ بالقتل والقتل المضاد.. وقد تشكّل خطراً على السلم والأمن ليس في سوريا فقط بل في الإقليم والعالم.

وعليه، فإنّ المعالجة الإنسانية المرتكزة إلى جهود الإغاثة، والدعم المالي لا تتعدى كونها «مسكّناً» في غياب المعالجة السياسية الناجعة التي تضع لبنة المصالحة، وتضمد جروح الكراهية العرقية المذهبية التي لا يبدو أنّ ندوبها ستبرأ في قادم السنين، وبالتالي فإنّ الخطر سيظل ماثلاً لسنين طويلة.