قبل ثلاثة أعوام، أقدم بائع متجول في تونس يدعى محمد البوعزيزي على حرق نفسه احتجاجا على مضايقات الشرطة له، والتي كانت تحول بينه وبين كسب قوت يومه الذي يطعم به عائلته. وبعيد وفاته بأسابيع متأثرا بالحروق التي أصيب بها، بدأت الدولة البوليسية التونسية بالتفتت على وقع الاحتجاجات السلمية الواسعة ضدها، لتمتد التظاهرات بعدها بوقت قصير إلى مصر، والتي هيمن فيها الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك على حكومة فاشلة لفترة طويلة من الزمن، حيث كان يحاول تمرير السلطة إلى ولده. وبعدها بوقت قصير، شعرت أغلب دول الوطن العربي تقريبا بالتهديد.
موجة التفاؤل
وبينما اهتزت مناطق شتى من العالم العربي من ضراوة الفورة غير المتوقعة، التي أقدم عليها مواطنون أسيء حُكمهم مدة طويلة، تحدث معلقون أجانب عن حتمية التغير الجذري. فالأنظمة العسكرية التي تأسست أواخر الستينات وأوائل السبعينات أو قبل ذلك، كما في مصر، تحولت كلها إلى دول بوليسية تحتكر السلطة ووسائل التأثير. إلا أن الوضع القائم إبان الثورات أحاطه التطور الحاصل في القنوات التلفزيونية، بحيث لم تستطع السلطات بعدها السيطرة على المعلومات المتدفقة. وإلى جانب ذلك، وفر الإنترنت وأجهزة الهاتف المحمول البسيطة وسائل للتواصل وللانشقاق بطرق لم تتمكن الدولة من السيطرة عليها.
وبذلك، حل التفاؤل المبالغ فيه محل التشاؤم حيال إمكانية التغيير الراديكالي في منطقة الشرق الأوسط، التي شابهت أوروبا الشرقية أوائل التسعينات، عندما وصلت أوروبا مرحلة فاصلة لم يكن بالإمكان بعدها الخروج من المأزق إلا بتطبيق شكل من أشكال الديمقراطية.
الواقع الحالي
وباستثناء تونس، تعيش دول مثل مصر وليبيا الآن والتي أُطيح بحكوماتها العام 2011، حالة أسوأ من تلك التي عاشتها قبل الربيع العربي.
ففي ليبيا، ذُبح المتظاهرون، الذين أقدموا بقوة على مواجهة معاقل الميليشيات المسلحة في بنغازي وطرابلس، بإطلاق نار كثيف عليهم وبوحشية لم يُقدم عليها الرئيس الليبي السابق العقيد معمر القذافي نفسه. أما في سوريا، والتي هجر ربع قاطنيها منازلهم، تحولت انتفاضة العام 2011 الديمقراطية إلى كابوس من العنف الطائفي.
وحتى أولئك الذين كانوا متشائمين حيال فرص التغيير الديمقراطي السلمي التي لاحت في الأفق العام 2011، صدموا من مدى فشل الربيع العربي في تحسين حياة الناس. فبدلا من أن يصبح الشرق الأوسط شبيها بأوروبا الشرقية في تسعينات القرن العشرين أصبح أكثر شبها بها في الثلاثينات من القرن نفسه، عندما دب الصراع على السلطة داخل تلك الدول وكان مصحوبا بمعدلات عنف متزايدة.
لكن ماذا ستكون نتائج هذا الربيع في نهاية المطاف؟. في أغلب دول الوطن العربي، عملت الفوضى التي سادتها في خمسينات القرن العشرين على تأسيس دول استبدادية في ستينات القرن ذاته. وهناك شوط طويل يتعين قطعه قبل أن نكون على يقين من أن ذلك لن يحدث مجددا.
** صحيفة «ذي إندبندنت» البريطانية
تدخل
زاد التدخل من قبل الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا من سوء الأمر. ففي ليبيا، كان واقع الأمر أن طائرات حلف الناتو هي من أطاحت بحكم معمر القذافي. البيان