على الرغم من أن العراق لم يرَ استقراراً أمنياً أو سياسياً منذ غزو القوات الأميركية له قبل أعوام، إلا أن الوضع الأمني يبدو أكثر هشاشة وتهتكاً منذ انسحاب تلك القوات، وكأن التنظيمات الإرهابية المختلفة تحمل رسالة دموية ظاهرها واضح وباطنها تغزوه التأويلات، ليخطر في بال البعض أن الوضع كان أكثر أمناً مع وجود تلك القوات الأجنبية، أو ربما يذهب البعض أبعد بقليل من ذلك باعتقاد أن الوضع كان أكثر أمناً في ظل النظام العراقي السابق.

تلك التفجيرات، التي تحمل في أغلبها بصمات تنظيم القاعدة وفصائل مقربة منه أو تسير على نهجه، باتت أكثر عنفاً ودموية، وتنوعت أساليبها ومناطق حدوثها، مع التركيز على تنفيذ سلسلة هجمات متزامنة في منطقة واحدة أو أكثر، وكأن تلك التنظيمات تسعى لنقل رسالة للعراقيين وللعالم، مفادها: «نحن أصحاب النفوذ» في تلك المناطق، دون تجاهل أن تحمل هجماتها مبدأ طائفياً بغرض التقسيم والتشويش.

تورط السلطات

بعض الأوساط العراقية اتهمت السلطات وتحديداً الحكومة برئاسة نوري المالكي بتخطيط أو تنفيذ تلك الهجمات أو «التآمر» في تنفيذها لعدة مآرب، منها - بحسب هؤلاء- بسط النفوذ الشيعي في العراق وتغييب السنّة. لكن اللافت أن الأجهزة الأمنية العراقية، على كثرة أعداد عناصرها، هي أكثر ضعفاً مما تبدو في مواجهة هذا العنف المتنامي في البلاد، ليبقى السؤال الذي يتكرر دوما هو ذاته: كيف تسلّم القوات الأميركية الأمن في العراق لأجهزة غير مؤهلة بعد لتسلّم زمامهّ؟!.

لا اتفاق

هذه الصورة الدموية تترافق باستمرار مع اختلاف قادة العراق وساسته على مجمل تفاصيل إدارة البلاد، والتي تتزامن أيضاً مع ظهور الخلاف العراقي الكردي الكامن بين الفينة والأخرى تحت مسميات اقتصادية أو ربما سيادية وحدودية، لاسيما في المناطق المتنازع عليها، ما يضيف عبئاً جديداً على المواطن العراقي، الذي لا يفتقد للأمن فحسب، بل أيضاً إلى الكثير من مقومات الدولة القوية.

خطر الجوار

وهذا المشهد المتشابك يلفّه أيضاً مخاطر تأتي من الجوار، في مقدمتها النزاع السوري بمختلف تفاصيله، والذي لا يبدو فيه موقف النظام العراقي حاسماً بما يجنب بغداد خطر الدخول في متاهات تداعيات تلك الأزمة، لاسيما في ظل غياب رئيس الدولة جلال طالباني عن المشهد بشكل شبه كامل، ومع تسلم المالكي دفة مختلف الأمور الإستراتيجية، في ظل ضعف أو ربما أيضاً غياب أو تغييب مجلس النواب (البرلمان)..

والذي بدا واضحاً سعي المالكي للتحكم فيه أو في قراراته عندما اتهم ائتلاف النجيفي مؤخراً ما اسماه محاولات الجهات التنفيذية بالتدخل والتأثير على دور مجلس النواب التشريعي والرقابي، والحديث عن ما وصفه تعرض المجلس لحصار من ثلاث جبهات، أولها بعض المؤسسات الاعلامية، إضافة الى مجلس الوزراء، الذي «يسعى الى السيطرة على صلاحيات الجهاز التشريعي»، بحسب عضو كتلة متحدون النائب محمد إقبال.

عوامل متشعبة

 عزا الناطق باسم وزارة الدفاع العراقية محمد العسكري الانفلات الأمني إلى عوامل عدة، من بينها الصراعات السياسية والأزمة السورية. فيما دعا رئيس التحالف الوطني العراقي إبراهيم الجعفري إلى «ثورة سلمية للقضاء على الفساد»، الذي اتهم ما اسماها دولاً اقليمية بنشره في العراق، بما يهدد أيضاً أمنه واستقرار.

فيما أعلن رئيس اقليم كردستان العراق مسعود بارزاني أن سبب تردي الوضع الأمني والسياسي هو «عدم الالتزام بالدستور، وإهمال مبدأ الشراكة»، وذلك خلال لقاء جمعه برئيس مجلس النواب أسامة النجيفي، الذي حذّر من ما وصفه التفرد بالسلطة وتهميش المكونات الأخرى، وانتهاك حرمة الدستور. البيان