تتوالى التلميحات التي تؤشر إلى رغبة إدارة الرئيس باراك أوباما بمدّ الجسور مع «الجبهة الإسلامية السورية». في الآونة الأخيرة، تردّد مراراً ذكر هذا الفريق المعارض في سياق الكلام الأميركي الرسمي عن الاتصالات الجارية لتشكيل وفد المعارضة إلى «جنيف2». ثم أخذ الاسم يبرز كجهة مرجحة للتحاور معها. وراجت إشاعات بأن وزير الخارجية جون كيري التقى أخيراً، ممثلين عنها في تركيا، ثم نفت الخارجية الأميركية الخبر، لكنها سارعت إلى التوضيح بأن الإدارة «لا تستبعد حصول مثل هذا اللقاء»، بحسب ما قالت الناطقة الرسمية. بل هي ذهبت في اليوم التالي إلى حدّ يفيد بأن المسألة جارية في هذا الاتجاه «لكن ليس هناك موعد محدّد لعقد هكذا اجتماع»، وكأنه لم يبقَ سوى تحديد الموعد فقط. وليست هذه المرة الأولى التي تعرب فيها الإدارة عن مثل هذا الاستعداد. سبق وكرّرته في إطار تأكيدها على استمرار الاتصال مع مختلف القوى السورية المعارضة ما عدا المجموعات المتطرفة ومن لهم علاقة مع تنظيم القاعدة.

سيرة «الصحوة»

التصويب على «الجبهة» بالذات يستحضر سيرة «الصحوة» في العراق التي جرى تسليح وتمويل مقاتليها من قبل القوات الأميركية لمواجهة عناصر «القاعدة» في غرب العراق. آنذاك تولّى قائد القوات الأميركية هناك الجنرال دافيد بترايوس تشكيل تلك القوة المضادة من رجال العشائر والعديد من جنود وضباط الجيش العراقي السابق. وكانت التجربة فعّالة، كما قال الأميركيون. والمعروف أن معظم قوات «الجبهة الإسلامية السورية» هم من المنشقين عن الجيش السوري. وكشفت أخيراً، عن قدراتها الميدانية عندما سيطرت على منطقة باب الهوى في شمل سوريا وطردت عناصر الجيش الحرّ الذي راهنت عليه واشنطن، ولو أنها لم تمدّه بالعتاد العسكري الوازن.

لغة التقارب

وكان من اللافت أن الإدارة الأميركية، على الرغم من قرارها بوقف المساعدات غير التسليحية للمعارضة ردّاً على عملية باب الهوى؛ بقيت تتحدث عن الجبهة الإسلامية بلغة التقارب. «نحن نستطيع أن ندخل معها في التزامات كونها ليست تنظيماً إرهابياً». مغازلة واضحة مع طرف قد يشكل التلويح بدعمه ضغطاً على النظام السوري عشية «جنيف 2» لكي يقدم التنازلات المطلوبة على مائدة المفاوضات أو اعتماده كرأس حربة على غرار «الصحوة» العراقية لمقاتلة مجموعات «القاعدة» وأمثالها في سوريا؛ وربما إعداده لمواجهة قوات النظام لو فشل مؤتمر جنيف، وهو الاحتمال الأرجح بحسب توقعات المراقبين في واشنطن. حتى اللحظة وعلى الرغم من تحديد موعد المؤتمر، فإن انعقاده ليس مضموناً بعد. وحتى لو عُقد، فإن حظ نجاحه ضئيل لأسباب تتراوح بين ضبابية التوافق على الأجندة وعدم الحماس للمشاركة وبين تشرذم المعارضة وتبدّل الموازين الميداني الذي قد يستقوي به النظام للتشبث بشروطه بدلاً من تقديم التنازلات. ثم إن هذا المؤتمر تبقى نتائجه مرهونة إلى حدّ بعيد بصفقة النووي الإيراني التي ما زالت في فصولها الأولى. ولذلك يقصر كيري تفاؤله على انعقاد «جنيف 2» في موعده. أما النتائج فأمر آخر، لا يسعه التكهن بشأنه. فهو يدرك حقيقة العوائق، لكنه يعرف أن المؤتمر هو ورقة التوت التي تحاول التستر بها الإدارة، خاصة في هذه اللحظة التي تستفحل فيها المأساة الإنسانية في سوريا، في ظل غياب أميركي ودولي مريب.