المجتمعات لا تختلف في مفهوم «المصالحة الوطنية»، إلا في العراق، حيث نظمت حملات وأنشئت وزارة وهيئات ولجان حكومية وبرلمانية، وأنفقت ملايين الدولارات، للمصالحة الوطنية، ولكن ليس هناك مفهوم واضح للمصالحة، ومَن يتصالح مع مَن؟.

المفروض أن هناك عهداً سابقا وعهداً حاليا، وكل له أنصاره، وأن المصالحة يمكن أن تكون بين هذين الطرفين، إلا أن الطرف الثاني استبعد هذا الخيار، وبدلا منه، شرّع «الاجتثاث»، الذي أصبح يشمل كل من يعارض النظام الجديد، واعتباره «من أزلام النظام السابق»، فيما يتهم الطرف الآخر هذا «النظام الجديد» بأنه ناتج عن الغزو والاحتلال، ويتهمه بالعمالة، والتآمر ضد الوطن، وراح هذا الاتهام، الذي يمثل ردة فعل، ينطبق على المسؤولين الحكوميين، واتسع ليشمل القوى الأمنية، التي تدافع عن النظام.

الاجتثاث والمصالحة

وفق هذه المعادلة أصبح هناك طرفان، الأول يتمثل بــ«العملية السياسية» التي وضع الاحتلال أسسها وخطوطها العريضة، وربما الدقيقة أيضا، والثاني هو المعارض لـ«العملية السياسية» في شكلها الحالي، المبني على الأسس الطائفية والعرقية، وليس الوطنية.

ويرى المراقبون السياسيون أن المصالحة الوطنية كان يفترض أن تتم بين هذين الطرفين، أو الاتجاهين، ليتخلص احدهما من تهمة العمالة والخيانة، والطرف الآخر من تهمة «الإرهاب» وموالاة النظام السابق، وليلتقيا عند النقطة التي فيها مصلحة الوطن والمواطن، لا أن يجتث احدهما الآخر. لكن ما حدث ويحدث، هو عكس المفترض، والمبتلى هو الشعب، الذي يفرض عليه هذا النهج أو ذاك، فيما انصرفت الحكومة المتنازعة داخليا «حسب تقسيمات العملية السياسية»، تبحث عن المصالحة مع خصومها «الشركاء»، وتعرض الولاءات للبيع والشراء، والإغراءات بالمناصب أو خلعها ممن لا يوالي هذه الجهة أو تلك، في العملية السياسية الواحدة، التي أخذت تتآكل بفعل التقادم.

الاحتلال أكثر وطنية

ويرى المحلل السياسي صابر محمد صابر، أن الأميركيين، كانوا أكثر وطنية عراقية من الساسة العراقيين، في إشراك جهات كثيرة معادية لهم وللعملية السياسية، في هذه العملية، حتى أنهم تغاضوا في حالات كثيرة عن قاتلي جنودهم، واعتبروا حالات الانتقام فردية، فيما اعتبرهم الساسة العراقيون الجدد إرهابيين، وسجنوهم واعدموا كثيرين منهم، ولاحقوا، وما زالوا يلاحقون الآخرين. ويقول صابر كل ينطلق من أصله، وعلى وفق هذا المفهوم، يعتقد العديد من الساسة أن شراء الذمم يدخل في باب المصالحة الوطنية، متناسين أن من يبيع ذمته مرة مستعد لبيعها مرارا، وبالسعر المناسب، وتدخل في هذا الباب عملية شراء ولاءات بعض شيوخ العشائر، تحت مسميات المصالحة الوطنية، فيما يبدو دور هؤلاء الشيوخ، أو الذين تم تنصيبهم شيوخا، من مخلفات العهود الماضية، لأن العشيرة الآن هي غيرها بالأمس، بعد التطور العلمي والتكنولوجي والاجتماعي.

عشيرة الدعوة

ويؤكد برلمانيون، على سبيل المثال، أن عشيرة حزب الدعوة أصبحت من أقوى العشائر، بحكم امتلاكها المال العام والسلطة، وعلى هذا الأساس تم في العام 2011 إلغاء وزارة الدولة لشؤون المصالحة الوطنية وتحويلها إلى مستشارية ملحقة بمكتب رئيس الوزراء وأنيطت رئاستها بأحد أعضاء حزب الدعوة.

البرلمان لا يعلم

ويلفت رئيس لجنة المصالحة النيابية إلى أن «بعض الكتل السياسية وللأسف تركز على المصالحة الوطنية في فترة معينة وإهمالها في وقت لاحق»، موضحا انه «خلال السنوات الأربع الماضية لم نحصل إلا على دمج الصحوات في بعض الوزارات ومؤسسات الدولة». ويؤكد الشذر أن «الحكومة لم تطلع لجنة المصالحة على تفاصيل مشروع المصالحة الذي تشرف عليه منذ وقت طويل».

تساؤلات مشروعة

يؤكد النائب عزت الشابندر أن الحكومة فشلت في التعامل وكسب البيئة التي تتحرك فيها الجماعات المسلحة، مشيرا إلى أن على الحكومة إقامة جسور ثقة مع البيئة التي يوجد فيها الإرهاب والتي تتحول إلى حاضنة للجماعات الإرهابية.

ويتساءل النائب، المنشق حديثا عن دولة القانون، لماذا كل هذه الاعتقالات الكثيرة؟ ولماذا هذه الانفجارات المستمرة؟ وأين هي المؤتمرات التي عقدت؟ كلها تساؤلات تحتاج إلى أجوبة.