لماذا على الشتاء أن يأتي على الفقراء كل عام دهراً. إنْ كان ولا بد فلتمطر هناك، حيث أناس يشعرون بأفكار رومانسية مع سقوط أول قطرة.

تقول أم ناصر التي هربت بأطفالها الخمسة إلى الأردن، من شيء ما عاد اسمه سوريا: «لا حاجة لمثلنا بهذا».

تقول أم ناصر لـ«البيان»: «وين كنا ووين صرنا».. تعني أم ناصر أن باب البيت الحديدي الذي يفضي إلى صقيع الداخل «جنة» في مقابل جحيم سوريا.

تضيف: «على الأقل أطفالي بخير اليوم».. أرض البيت إسمنتية يتضاعف فيها البرد بأشكاله الموجعة.. «لكن الأرض تحتنا لا تهتز.. لا تموج بفعل الصواريخ، ومجرد ذلك إنجاز».

السقف من صفيح.. يهتز مع كل نسمة ريح، هذا صحيح «لكنه لا يهوي فوق رؤوسنا بفعل البراميل المتفجرة».

زوج ذكرى

آخر عهد أم ناصر بزوجها أنه ذهب يأتي للعائلة بربطة خبز.. قال لها: «شوي وبرجع»، لكنه لم يعد.. ربما مات وصار أحد مفقودي الثـــــورة السورية، ربما اعتقل من قبل النظــــام، ربما قتلته الفوضى.

تقول أم ناصر لـ«البيان»، وهي تروي تفاصيل الساعات: «ربما أننـــي أحلم وأن كل ما يجري لا يـــجري.. عندما أفيق لن أخبر أحداً بهذا الكابــــوس».

 

أم سمير: ليس الموت الخسارة الوحيدة في البلاد

«لم يعد الأمر مهماً كثيراً. سأطلب الطلاق أو ربما أعود إلى أمي من دون طلاقي من أبو سمير.. لكن أن أبقى على هذه الحالة فمستحيل بعينه». «فقدت بيتي وأهلي وحريتي. قتلت أختي وزوجها وأطفالها، وأعتقل أخي ولا نعرف ما الذي يفعله، وطعن والدي حتى الموت».. «لم أعد أطيق عذاباً إضافياً».

أسمي أم سمير، سمير وحيدها الذي دفنته، أو دفنت ما تبقى من جسده الذي فتته صاروخ طائرة هو ومن حوله فحولهم أشلاء وضعت في كيس.

«البيان» اقتربت من القصة.. حاولت النأي عن الصحافة ورغباتها بالوقوف في الحد الفاصل ما هو مهني وما هو إنساني، بالتقاط أسباب التئام عائلة هدّها اللجوء لكن دون جدوى.

أسمى لاجئة سورية تقيم، أو كانت تقيم في منزل في العاصمة الأردنية مكون من غرفة وحمام، مع زوجها وشقيق زوجها وعائلته، وشقيقه الثاني شاب.

تقول أسمى: «حتى البكاء لم يعد متاحاً لي براحة.. أمسيت أتحفظ على جلستي، مشيتي، طريقة كلامي، وزاد الضغط من مشكلاتي مع زوجي.. لم أعد حتى قادرة على الحديث مع زوجي. بل عندما نتشاجر أصبحنا نتشاجر أمام الجميع، والجميع أيضاً يتشاجرون أمامنا».

أسمى أردفت لـ «البيان»: «أعلم أن عائلة زوجي تعاني.. لكني أعاني أيضاً.. سأطلب الطلاق أو ابتعد، وأسكن في البيت الذي يسكن فيه أخي وعائلته مع أمي في عمّان».

هذا ما كانت تتوعد به، وهذا ما نفذته أسمى، الشابة التي لا يتعدى عمرها الـ 25 عاماً والمتزوجة منذ خمس سنين.

أنجبت أسمى بعد العام الأول من زواجها. كانت ولا تزال تحب زوجها الذي تعرفت عليه في الجامعة، ولم يطيقا صبراً الانتهاء من جامعتهما فتزوجا واكملا معاً تخصصهما في أحد الأقسام العلمية. لم يكن ضمن قائمة مخططاتهما المستقبلية وقوع كارثة وطنية. لكن حرباً أهلية وقعت بين الأخوة، فأكلت معها أخضر الأحلام ويابسها.

لجأت أم سمير مع زوجها، كما مليون سوري إلاّ قليلاً، إلى الأردن هرباً من الموت ولجأت معها أمها وشقيقها وعائلته. والد أسمى كان قد توفي بعد زواجها بعام. «ارتاح من الجحيم» تقول ومعها أمها. «أحب أحمد، لكن ماذا يفعل الحب وسط هذا العذاب.. لا أستطيع، لا أستطيع.. إذا عثر لي على بيت سأعود إليه وسأعمل لمساعدته.. سأحفر الصخر لو أراد، لكن ليس الآن.. ليس وهو يضعني بين أسلافي (أشقاء الزوج) بهذه الطريقة الصعبة».

حاول أبو سمير، الشاب، العمل في المملكة بمهن عدة، لكن كلها لم تدر عليه ما يكفي للسكن في منزل مستقل، فأصبح هو وشقيقه يبيعان القهوة السادة في شوارع عمّان.

اقترح عليه شقيقه أن يعيشا معاً بغرفة ومطبخ وحمام في إحدى ضواحي عمان الشرقية، هو شيء يشبه المنزل، فوافق، لكن ما تفعل النسوة بهذا الوضع المأساوي؟ كانت الخيارات لديه ضيقة، ولم يستطع كذلك أن ينتقل للعيش في منزل حماته أم سلوى التي تعيش في منزل ابنها وزوجته.

بالأمس فقد سمير واليوم عادت أسمى إلى أمها، في انتظار عثور زوجها على عمل حقيقي، يساعده في استئجار منزل. وعلى حد تعبيرها، «ليس الموت الخسارة الوحيدة في سوريا».

 

2500

رعاية اللاجئ السوري في «الزعتري» تكلف الحكومة الأردنية 2500 دينار سنوياً.

وتجد السلطات الأردنية صعوبة في تلبية الاحتياجات المتزايدة لسكان المخيم الذي لم يصل إليه سوى جزء قليل من المساعدات التي جرى التعهد بتقديمها من قبل المجتمع الدولي والتي تقدر بمئات الملايين من الدولارات.

 

1+2

توفي لاجئ سوري وطفلاه أمس جراء حروق شديدة أصيبوا بها، إثر انفجار اسطوانة غاز بمخيم الزعتري للاجئين السوريين شمال الأردن، وفق ما أفاد مصدر طبي. وقال مدير مستشفى المفرق الحكومي د. اسمير المشاقبة إن «لاجئا سوريا (40 عاما) وابنته (3 أعوام) وشقيقها (8 أعوام) توفوا أمس نتيجة حروق شديدة أصيبوا بها، إثر حريق بمخيم الزعتري (85 كم شمال شرق عمان)»، موضحاً أن «الأب ياسين الحريري وأطفاله الثلاثة أدخلوا مساء أول من أمس الى المستشفى إثر إصابتهم بحروق مختلفة من الدرجة الثالثة غطت 80 في المئة من اجسادهم نتيجة انفجار اسطوانة غاز بكرفان يقطنوه». وأشار المشاقبة إلى أن «الطفلة الثالثة (12 عاما) حالتها سيئة كذلك وتم تحويلها إلى مستشفى البشير الحكومي في عمان للعلاج».

وقال مصدر أمني أردني إن «الحريق نتج عن تسرب غاز أدى لانفجار الأسطوانة، وتم إثره إسعاف 4 إصابات، الاب واطفاله الثلاثة، ونقلهم الى مستشفى المفرق الحكومي لتلقي العلاج». عمان البيان ر وأ.ف.ب

 

٪58

بالنسبة لمعدلات دخول اللاجئين إلى المملكة، ذكرت المفوضية أن 58 في المئة من عدد اللاجئين السوريين الحالي وصلوا إلى الأردن في العام 2013، وأن الذروة في ارتفاع أعدادهم كانت في الفترة بين يناير ولغاية مايو.

 

نار أم ناصر

تقف أم ناصر داخل شيء يقال له مطبخ، مكونات المطبخ الأساسية هي النار. والنار موجودة أيضاً في قلب أم ناصر. تتساءل عيونها الحائرة: «أين هو أبوناصر (زوجها) الآن؟». هل مازال حياً؟ هل سيعود يوماً حاملاً ما تأكله العائلة.. تقول أم ناصر في ما يشبه الرثاء: «كان طيباً. كان جميلاً. كان كل دنياي.. لم أكن وحيدة في حضرته. اليوم أنا لا شيء». وتضيف: «أنا لا شيء لأنّ سوريا ليست على ما يرام».