ما هي إلا أيام حتى انقلبت دعوات التبجيل والاحترام التي كان يتحدث بها أبوقاسم السوري عن أبي أسامة الاردني إلى غضب وأسف. ولم يدر في ذهن أبي قاسم أن ابا أسامة بريء، بل وخسر الكثير ليساعد شقيقه العربي، وأن من «سَمْسَر» على معاناته ولجوئه هو في الحقيقة أبوعلي السوري الذي امتهن في منطقة المفرق الأردنية «مساعدة» ابناء وطنه من اللاجئين.
بدأت الحكاية عندما استعان أبوأسامة بـأبي علي ليخرج له عائلة سورية محتاجة من مخيم الزعتري، الذي يبعد نحو 15 كيلومتراً عن الحدود الأردنية السورية و70 كيلومتراً عن العاصمة عمّان، ليسكنها في شقة يملكها في العاصمة. وهكذا فعل. لكن اتصالا من أبي قاسم، بعد شهور، مع أبي اسامة كان كفيلاً لأن يكتشف بعده الأخير أن «سماسرة» العمل الانساني تحت مسميات عدة ما هي في الحقيقة إلاّ «عصابات خيرية»، وأبوعلي واحدٌ من هؤلاء يحصلون على ما قيمته 150 دولاراً شهرياً مقابل تسكينهم بعض العوائل السورية في المدن الاردنية، لكن ليس هذا كل شيء.
ما كان يظنه أبوقاسم هو أن «الأردني» يحصل على المال مقابل تأجيره منزله ولم يعلم انه والاردني كانا معا ضحية نصب «الاعمال الخيرية» لبعض السماسرة.
يقول ابوقاسم لـ «البيان» وقد استقر به المقام في منزل أبي أسامة المستأجر مجاناً من دون ان يتكفل بشيء من أعبائه سوى فواتير المياه والكهرباء: «لقد ظلمت الرجل»!.
أبوقاسم اعتذر من أبي أسامة. وقال له: «إن بعض الظن إثم».. لكن لم تتوقف معاناة اللاجئين السوريين، وليس متوقعا لها أن تستقر وتهدأ قريبا.
يقول المفوض السامي لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، في آخر مؤتمر صحافي له بالعاصمة الأردنية عمان، إنّ «على الجميع أن يدرك ان الوضع في سوريا لن يحل في وقت قريب»، وأن على المجتمع الدولي أن يفعل المزيد لتوفير مزيد من الحماية للاجئين في دول اللجوء.
سلوكيات إجرامية
أفرز ظهور مخيم الزعتري، الذي أقيم في منطقة أردنية تحمل ذات الاسم على تخوم محافظة المفرق الصحراوية، بروز مجموعات اجرامية اخذ عملها شكل العمل الخيري بينما معظم أفرادها من أصحاب السوابق. وساعد ظهور هذه العصابات ان الزعتري الذي أقيم على أرض مساحتها 220 ألف متر يعاني من الاكتظاظ الشديد بعد أن سكنه 150 ألف لاجئ، وهو ما يعني ان عدد سكانه اصبح أكبر من عدد سكان محافظات أردنية عدة.
أنشئ مخيم الزعتري الذي افتتح منتصف العام 2012 في محافظة تعتبر ثاني أقل كثافة سكانية (9.5 كيلومتر مربّع). واقترب ليكون تجمعا بشريا مكتمل العناصر، فهو يحوي على 17 ألف كرفان وثمانية آلاف خيمة ونحو ثلاثة آلاف محل تجاري.
كانت محاولة تنفيس ضغط الزعتري، بالسماح للمُحسنين، الأردنيين او الخليجيين، بإخراج لاجئين وتسكينهم داخل المدن الاردنية والتكفل بمعيشتهم أمرا ايجابيا بالنسبة إلى السلطات الاردنية.. لكن ظهر لها خلال الأعوام الثلاثة الماضية تحديات خطيرة جراء عمل هذه «العصابات الخيرية».
عصابات المعاناة
ليس جديداً في السلوك المجتمعي، ظهور طبقة من الناس تتغذى على المآسي وتعتاش منها. وليس جديدا أن يزيد هؤلاء من عمق أزمة المأساة. ومن بين الضحايا كان اللاجئ أبوقاسم.
كانت محاولة الاحتكاك بما بات يُعرف في مجتمع اللاجئين بـ «عصابات تهريب السوريين» خطرا. فأفرادها هم من أصحاب السوابق أصلاً، وظهروا تدريجيا على هامش الثورة السورية لـ «مساعدة» اللاجئين والتخفيف من تجربة اللجوء لديهم، لكن مقابل مبالغ مالية تدفعها جهات مختلفة معظمها شعبية، من دون أن تعلم أنها تقع في عمليات «نصب انساني». وتقوم جهات أمنية أردنية عديدة بجهود حثيثة للحد من تفاقم أمر ظاهرة العصابات الخيرية تلك.
لكن ما يزيد من صعوبة الأمر وجود جمعيات خيرية ناشطة في العمل الخيري تقوم، في المقابل، بجهود جبارة من أجل مساعدة اللاجئين السوريين، وهو ما يعني في النهاية اختلاط الطالح بالصالح في بيئة صعبة يستحيل معها الوقوف على النوايا.
لكن ما يعقّد المسألة أكثر وجود ما يعرف بخلايا نائمة تابعة للنظام السوري عمل الأمن الاردني على الدوام على رصدها والتعامل معها. وتنتشر هذه الخلايا داخل وخارج مخيم الزعتري.
وتضبط السلطات الاردنية «الزعتري» برجال أمن وحماية يبلغ عددهم نحو الـ 800 رجل، تقع عليهم مسؤوليات منع حالات تهريب اللاجئين، والبضائع والحد منها، كما ويتم الاستعانة بقوات الدرك بحسب الأوضاع الأمنية داخل المخيم «حال حدوث مظاهرات، أو اعتداء على رجال الأمن»، بحسب مدير مخيم الزعتري العقيد زاهر أبوشهاب. وبحسب العقيد الأردني أبوشهاب فان ادارة المخيم تعاملت مع 429 قضية تهريب لاجئين، وبضائع، وكرفانات (بيوت جاهزة متنقلّة). في حين يشير إلى أن عدد الجرائم داخل مخيم الزعتري فقط بلغت منذ مطلع 2013 وحتى أب من العام نفسه 100 جريمة، توزعت بين السرقة والمخدرات، والشروع في القتل.
وبحسب أرقام رسمية فإن عدد حالات الفرار من المخيم الزعتري تقدر بـ 54 ألف لاجئ سوري قبل إعادة تنظيم المخيم، نظرا لعدم وجود سيطرة أمنية على محيطه سابقاً، إضافة إلى عدم توفر المساعدات الإنسانية بشكل كافٍ، علاوة على حالة الفيضان التي حدثت في شهر يناير 2013.
عينان أردنيّتان
وينظر الأردن إلى هذا الملف بعينين: الأولى اقتصادية والأخرى أمنية، فعمليات تهريب اللاجئين السوريين من المخيمات فاقم من الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن استضافة الأردن اللاجئين السوريين عموما، إضافة إلى الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها الأردنيون، فثلث سكان الأردن اليوم هم من السوريين اللاجئين.
وقال وزير التخطيط والتعاون الدولي د. إبراهيم سيف، خلال اجتماع مع ممثلي المنظمات المجتمع الدولي مطلع أكتوبر 2013 أن إجمالي كلفة الوجود السوري سنويا بلغت حوالي 1.7 مليار دولار. وأضاف سيف إن الكلف المباشرة لإقامة السوريين تقارب 700 مليون دولار سنويا، في حين تبلغ كلفة الاحتياجات للبنى التحتية 870 مليون دولار سنويا.
ووفق الأرقام الرسمية، فإن اللاجئ السوري الواحد في مخيم الزعتري يكلف الحكومة الأردنية 2500 دينار سنويا ً(نحو 12400 درهم).. في حين بلغت التكلفة الإجمالية خلال العام 2012 ما يربو على 449.9 مليون دينار. وفي المقابل، قدرت الأمم المتحدة كلفة استضافة أكثر من نصف مليون لاجئ سوري في الأردن خلال عامي 2013 و2014 بنحو 5.3 مليارات دولار، تم تأمين 777 مليون دولار منها فقط.
4
تضم الأراضي الأردنية أربعة مخيّمات: الزعتري الذي تشرف عليه السلطات الأردنية وأنشئ في 2011.. ومراجيب الفهود الذي أقامه الهلال الأحمر الإماراتي مطلع 2013.. وهناك مخيما الحدائق والسايبر ستي في الرمثا.
25000
يضم مخيم الزعتري 20000 كرفان ونحو 5000 خيمة ونحو 3000 محل تجاري.
ولايضم المخيم اللاجئين السوريين الذي لجأوا إلى الأردن قبل تاريخ 21 يوليو 2012، أو اللاجئين الذين عبروا الحدود السورية الأردنية بالطرق الشرعية بعد ذلك التاريخ.
ومعظم سكان المخيم من محافظات: درعا والقنيطرة ودمشق وريفها وحمص.
1.7
تبلغ كلفة الوجود السوري في «الزعتري» من الموازنة الأردنية سنوياً حوالي 1.7 مليار دولار.
وكان رئيس الوزراء الأردني د. عبدالله النسور قرع قبل أسابيع جرس إنذار من أنّ «الأزمة السورية تهدد الأمن الوطني» لبلاده نظراً لـ «تأثير» استضافة اللاجئين السوريين على اقتصاده.
وكان النسور قال إنّ عمّان ستلجأ إلى مجلس الأمن لطلب المساعدة في مواجهة هذه الأعباء.
تهريب
أعلن الجيش الأردني إن محاولات التسلل عبر أراضيه زادت بعد اندلاع أزمة سوريا بنسبة ٣٠٠ في المئة، وإن محاولات تهريب المخدرات والأسلحة من الجانب السوري للأردن ارتفعت كذلك بحوالي ٢٥٠ في المئة.



