بينما تتعرض مدينة حلب إلى مجزرة البراميل المتفجرة، ثمة جهود حثيثة تجري بغرض المصالحة بين «الجبهة الإسلامية» التي طردت مقاتلي الجيش الحر من معبر باب الهوى الحدودي مع تركيا و«جبهة ثوار سوريا» التي كانت تحرس مستودعات الأسلحة والذخيرة.
وتشير التقديرات الأولية بحسب المعارض انس الدغيم الذي يشرف على لجنة الصلح بأن الطرفين رضيا الاحتكام إلى «شرع الله» في بت القضايا الخلافية بينهما، لكن تبقى قضية استرداد الأسلحة والذخيرة وتوزيع مناطق النفوذ ميدانياً، من بين أبرز العقبات التي تواجه جهود المصالحة والوفاق.
حسابات الغرب
وتعتبر «جبهة ثوار سوريا» التابعة لهيئة أركان الجيش الحر بمثابة الذراع العسكري للائتلاف الوطني السوري على الأرض، وأي انتكاس وتقهقر يصيبها ميدانياً يربك معها حسابات الدول الغربية التي تدعم «القوى المعتدلة»، وهذا ما دفع واشنطن تحديداً إلى تجميد مساعداتها للمعارضة المسلحة عقب فرار مقاتلي المعارضة المعتدلة أمام نظرائهم الإسلاميين. وعليه، قد لا تقف الدول الغربية موقف المتفرج أمام تمدد «الجبهة الإسلامية».
فهذه الجبهة التي تضم كلاً من حركة أحرار الشام الإسلامية، وجيش الإسلام، وألوية صقور الشام، ولواء التوحيد، ولواء الحق، وكتائب أنصار الشام، والجبهة الإسلامية الكردية، يقدر خبراء أنها تضم عشرات آلاف المقاتلين المنتشرين في جلّ المحافظات، تتبع العقيدة السلفية وهي مدعومة مالياً وعسكرياً من بعض الدول العربية.
وهي، (الجبهة الإسلامية)، وإن كانت تنسق مواقفها بناء على علاقاتها الإقليمية المتحالفة مع الغرب، إلا أنها تصر على عدم قبولها التحول إلى ورقة غربية صرفة.
علاقة مباشرة
ويقول الناشط والصحافي محمد إقبال بلو إن مهاجمة مستودعات الأسلحة في باب الهوى له علاقة مباشرة بعقد مؤتمر جنيف 2، كون القوى الإسلامية المسيطرة فعلياً على الأرض تشعر أنها ستهمش على حساب بعض الأطراف المعتدلة التي تفتقر إلى القوة والحاضنة التي تؤهلها لتمثيل المعارضة في مؤتمر السلام العالمي، مضيفاً أن «أنجع طريقة لفرض الشروط على الدول الغربية تتجلى في السيطرة على البوابة الحدودية المطلة على تركيا، خاصة أن باب الهوى تشكل الرئة الرئيسية لمدينة حلب وريفها».
ولعل هذا ما يفسر إسراع السفير الأميركي روبرت فورد إلى عقد اجتماع مع هيئة الأركان و«الجبهة الإسلامية» بغرض لجم النزاع بين الطرفين في اسطنبول.
تأكيد ونفي
وصرح مقاتل في «الجبهة الإسلامية» بأنه يتوقع أن تبحث المحادثات التي ستتناول ما إذا كانت واشنطن ستساعد على تسليح الجبهة، وتعهد إليها بمسؤولية الحفاظ على الأمن في المناطق الخاضعة للمعارضة المسلحة شمالي سوريا.
ورغم أن «الجبهة الإسلامية» نفت أن تكون قد شاركت في اجتماع ضم ممثلين عن قيادة أركان الجيش الحر والإدارة الأميركية، إلا أن هذا التصريح المعلن قد لا يعكس الحقيقة، وذلك لسببين، الأول، الجهود المصالحة بدأت بين الطرفين على الأرض عقب تسريب معلومات تؤكد لقاء السفير فورد مع الأطراف المتنازعة في اسطنبول، وهذا يعني أن الأطراف المتنازعة وافقت على صيغة معينة في ردم الخلافات. وثانياً، عدم احتمال ارتكاب «الجبهة الإسلامية» خطأ فادحاً يتجسد في المجاهرة علناً بالتوافق مع الغرب، وذلك مراعاةً للحاضنة الشعبية وحفاظاً على جو التيار السلفي.
معركة بسط السيطرة
وإن كان فرض الشروط والنفوذ في جنيف 2 متزامناً مع معركة بسط السيطرة ميدانياً يعكس وجه التناقض بين الطرفين، إلا أن تقدم القوات النظامية على تخوم مدينة حلب وارتكابها منذ ثلاثة أيام مجازر مرعبة بحق أحياء ومناطق تحت نفوذ المعارضة، قد يجبر طرفي النزاع على أن توحد قواها ولو تكتيكياً في سبيل سد هذا التوغل النظامي صوب مناطق تحت سيطرة المعارضة.
ويلوح في الأفق أن تسوية تكتيكية تفرض ذاتها على الأطراف المتنازعة بسبب جملة من العوامل الذاتية والموضوعية. فمن جهة قد تفسح «الجبهة الإسلامية» الأكثر قوة ونفوذاً المجال أمام الفصائل المنضوية تحت لواء الجيش الحر لأن تعمل بحرية محدودة، ومن جهة أخرى قد تكسب الجبهة صبغة شرعية ضمنية من قبل الأطراف الغربية. وفي المحصلة كلا الطرفين معنيان بتقليص نفوذ القوات النظامية قبل عقد جنيف 2.
واشنطن مستعدة لحوار «الجبهة»
قال وزير الخارجية الأميركي جون كيري أمس إن بلاده لم تلتق بممثلين عن الجبهة الإسلامية في سوريا، لكن من الممكن عقد مثل هذا الاجتماع لتعزيز تمثيل جماعات المعارضة المعتدلة في محادثات مقبلة ترمي إلى وقف الحرب السورية، مضيفاً أنه «تبذل الجهود حاليا من قبل كل الدول الداعمة للمعارضة السورية والتي تريد توسيع قاعدة المعارضة المعتدلة وقاعدة تمثيل الشعب السوري في مفاوضات جنيف 2».
وقال مسؤولون في وزارة الخارجية الأميركية إن المحادثات مع الجبهة الإسلامية قد تضم مسؤولين أميركيين وبريطانيين وفرنسيين من مستوى أقل.