ازدادت وتيرة الجنون الاستيطاني «الإسرائيلي» وتصاعد عدوان الاحتلال والمستوطنين في الضفة الغربية بالتحديد، وسقط العديد من الشهداء وزج بالمئات في المعتقلات، كل ذلك بالتزامن مع انعقاد جولات المفاوضات بين الفلسطينيين والكيان الصهيوني، ورغم هذا التصعيد الصهيوني غير المسبوق فإن ذلك لم يدفع القيادة الفلسطينية للتراجع عن هذه المفاوضات أو حتى وقفها مؤقتاً للإبقاء على ماء الوجه أو إرضاء الشارع الفلسطيني والعربي.

عقبة الاستيطان

بات الاستيطان أحد العراقيل الرئيسية التي تهدد مستقبل الدولة الفلسطينية العتيدة في ظل استيلاء «إسرائيل» على الجزء الأكبر من الضفة الغربية لصالح مشاريع استيطانية تمزق جسد الضفة الغربية وتحولها إلى معازل وكانتونات يصعب معها إمكانية إقامة دولة فلسطينية متواصلة جغرافياً، ما يجعل التفاوض على إقامة هذه الدولة بلا جدوى مع فرض «إسرائيل» وقائع جديدة على الأرض تعرقل أي إمكانية لتحقيق هدف ناضل الفلسطينيون من أجله طويلاً وضحوا بآلاف الشهداء للوصول إليه.

وبالأرقام نرى أنه خلال العقدين الماضيين ازدادت المساحة التي تحتلها المستوطنات «الإسرائيلية» بنسبة 182 في المئة، أي من 69 كيلومتراً مربعاً العام 1990، إلى نحو 1970 كيلومتراً مربعاً العام الحالي، في المقابل، ارتفع عدد المستوطنين القاطنين في مستوطنات الضفة الغربية والقدس من 240 ألفاً العام 1990 إلى ما يقرب من 700 ألف مستوطن حالياً، أي بزيادة قدرها 175 في المئة.

ويتزامن ذلك مع مزاعم دولة الاحتلال حول النمو الطبيعي، رغم أن الثقافة «الإسرائيلية» تخلو من إنجاب العديد من الأولاد وتقتصر على ولد أو اثنين في حالات نادرة.

لذلك فإن الاستمرار في الاستيلاء على المزيد من الأراضي الفلسطينية لصالح الاستيطان سوف يسلب الفلسطينيين الأراضي المتاحة للتطور والتنمية في المستقبل، وبالتالي إقامة الدولة الفلسطينية في الهواء أو على الخريطة فقط.

المفاوضات والأسرى

ويتمسك الفلسطينيون بالاستمرار في المفاوضات على مدى شهورها التسعة كما تم الاتفاق مسبقاً بشأنها برعاية وزير الخارجية الأميركي جون كيري، وأحد المبررات الفلسطينية لذلك هو إطلاق الدفعات المتبقية من أسرى ما قبل أوسلو من ذوي الأحكام العالية، وذلك بعد أن تم تحرير دفعتين منهم منذ انطلاق المفاوضات قبل ثلاثة أشهر..

وهنا لا بد من القول إن إطلاق أسرى ما قبل عام 1993 هو استحقاق تأخر كثيراً، إذ كان يجب تبييض السجون قبل توقيع الاتفاق، والأمر الآخر أن «إسرائيل» نصبت في هذا الجانب فخاً للفلسطينيين كي يستمروا في عملية التفاوض حتى وإن لم يحصل أي تقدم أو تفضي إلى شيء، وهذا ما حَمَل وفد التفاوض على الاستقالة ليقينه أن العملية لا تتجاوز طحن الماء أو حرثه.

العربدة والتهويد

ومع انطلاق جولات التفاوض عمدت «إسرائيل» إلى إطلاق يد عتاة التطرف من مستوطنيها ليعيثوا خراباً وعربدة في الضفة الغربية ويدنسوا المقدسات مع تهويد منظم ومبرمج لمدينة القدس عموماً والمسجد الأقصى تحديداً، لذلك أصبح الحرق والتخريب وسياسة «جباية الثمن» نهجاً يومياً في مدن وبلدات وقرى الضفة..

كما أصبح تدنيس المسجد الأقصى وانتهاك حرمته أمراً روتينياً لا يستوجب الشجب والاستنكار ولا يثير الحفيظة في الداخل أو الخارج، وتطوّر ذلك إلى حديث بكل أريحية عن تقسيمه زمانياً ومكانياً بين الفلسطينيين والمتزمتين اليهود.

وطالما أن الظروف العربية والإقليمية باقية على وضعها الحالي، فإن ذلك مدعاة لإسرائيل كي تواصل استفرادها بالفلسطينيين، وللإدارة الأميركية كي تبقي على موقفها المنحاز للاحتلال.