لا يبدو المشهد السياسي ومستقبله في منطقة الشرق الأوسط جيداً لكثيرين. هناك ميل ما إلى الانقلاب على المسارات التي كانت سائدة حتى أضحت نمطية. واشنطن أوباما تتبرع بكل أريحية بمناطق نفوذها إلى روسيا، وتكتفي بمشاهدة ما يحصل، ليس من مقعد القيادة الخلفي، بل من مقاعد المتفرجين.
جائزة نوبل للسلام كبّلت أوباما إلى حدٍ كبير، وأعطته جرعة تهاون زادتها خلفيته اليسارية التي يمارسها بفجاجة في بعض الأحيان، متناسياً أنه رئيس الدولة الأقوى في العالم التي يفرض عليها لقبها هذا مسؤوليات وواجبات لا يتوجب التهرب منها.
روسيا والصين
وبغض النظر عما تتداوله وسائل الإعلام عن عودة الروس إلى الساحة الدولية مستغلين الانكفاء الأميركي غير المبرر، لا يعتقد كثير من المراقبين أن أحداً في موسكو يرغب في تولي المهمة الأميركية وتسيد العالم، لأن روسيا ببساطة شديدة لا تملك مقومات ذلك، حتى لو رغبت.. والأمر ذاته ينطبق على الصين. فصفقات الأسلحة والنفط والغاز لا تجعل من روسيا دولة عظمى.
وألعاب الأطفال البلاستيكية والعمالة الصينية الرخيصة لا تحول بكين كذلك إلى الدولة رقم 1. إن لهوليود، على سبيل المثال، تأثيراً أكبر من الصور التي يجهد الكرملين في نشرها للرئيس فلاديمير بوتين وهو يصارع النمور السيبيرية، كما أن أحداً لن يذكر اسم فيلم صيني واحد، اللهم إلا إذا أنتج في هوليود!!.
مشروع أوباما
ومع ذلك، وعلى الرغم من بقاء عوامل تزعم العالم في أيدي الأميركيين سواءً من الناحية العسكرية أو الاقتصادية أو الثقافية، فإن أوباما ماضٍ في مشروعه بتفكيك الامبراطورية الأميركية، وكأن لسان حاله يكرر ما قاله رئيس الوزراء البريطاني الراحل هارولد ماكميلان العام 1960 حينما بشّر بـ«رياح التغيير» للتمهيد لانسحاب بلاده من مناطق نفوذها.
ولتنفيذ مشروعه هذا، يعمد الرئيس الأميركي إلى إعطاء هامش أوسع للدول الإقليمية لحل مشاكل المنطقة فيما بينها، بما يحمله ذلك من مخاطر عديدة من قبيل التنافس لملء الفراغ، ما يعني في نهاية المطاف التهاباً أكثر لبؤر التوتر. كما أنه يسرع في عقد التسويات التي لطالما اعتبرت مستحيلة وغير منطقية حتى وقتٍ قريب. فما الذي استجد فجأةً حتى تشهد المفاوضات النووية الإيرانية انفراجةً بسرعة الضوء..
وكأن المفاوضون يسابقون الزمن يلاحقهم جدول زمني معين؟. وما الذي يعنيه الحراك الدبلوماسي الذي قامه به على عجل رئيس الدبلوماسية الأميركية جون كيري إلى دول المنطقة؟. وهل هو لإعادة تأكيد الالتزام الأميركي المهزوز بأمنها؟، أم أنه نفض يد وتوكيل لدولها بحل مشاكلهم بأنفسهم؟.
تحالف أقليات
ويرافق كل ذلك بطبيعة الحال إعادة تموضع لتوجهات بعض الأطراف في المنطقة سواءً كانت كيانات سياسية أو عرقية أو دينية أو مذهبية، فيما يبرز أكثر فأكثر تحالف أقليات مثير للريبة قد يكون غير مسبوقٍ لجهة حجمه وتماسك أهدافه التي لا تقتصر على حجة مقاومة الأغلبية فحسب، بل تتعداها إلى الرغبة في رسم وجه المنطقة بشكلٍ مغاير. أمام الشرق الأوسط، إذاً، عاصفة تغيير ستعدل معالمه وقد تستغرق ما بين عقد إلى ثلاثة عقود لكي تكتمل صورتها.
الملف السوري
يبدو الملف السوري الضحية الأكبر في ظل هذا التغيير، وفي ظل هذا الصراع وتناقضاته. لقد دفع ملايين السوريين ثمناً غالياً لتحقيق الحرية المفقودة منذ أكثر من أربعة عقود، ويبدو أن دماءهم ستذهب هدراً على طاولة الصفقات. البيان
