تحتفل سلطنة عُمان اليوم بعيدها الوطني الـ 43، وهي تواصل مسيرة نهضتها الحديثة المرتكزة على التنمية والازدهار، معززة بتلاحم وطني بين السلطان قابوس بن سعيد سلطان عُمان وأبنائه على امتداد الوطن.. فيما تدخل البلاد مرحلة جديدة من مسيرة التنمية والبناء، وتطرق أبواب تطوير مؤسسات الدولة العصرية.
ويحتفل العمانيون بعيدهم الوطني وهم ماضون بتفانٍ في مسيرتهم التنموية، وبخطة مدروسة، من أجل بناء حاضر مشرق عظيم، وإعداد مستقبل زاهر كريم بقيادة السلطان قابوس بن سعيد.
ويحتفلون بالمناسبة وهم يواصلون مسيرة النهضة معززة بتلاحم وطني بين السلطان قابوس بن سعيد وأبنائه على امتداد رحاب السلطنة التي شهدت عام 2011 انطـلاقة جديدة، تمثّلت في تعـديلات كبرى تجلّت في تطوير الشورى العماني، هدفه دعم وتطوير مسيرة الشورى، وتأكيد أهمية المشاركة من جميع أفراد المجتمع في مسيرة التنمية الشاملة، بما يتماشى ومتطلبات التطور المنشود.
وفي هذا الإطار، أشار السلطان قابوس في كلمته في افتتاح الفترة الخامسة لمجلس عمان، إلى تطلعه إلى «نقلة نوعية للعمل الوطني الذي سيقوم به مجلس عمان في المرحلة المقبلة، في ضوء ما أتيح له من صلاحيات موسعة في المجالين التشريعي والرقابي».
ويهل العام 44 من عمر النهضة العمانية، متزامناً مع نهضة شاملة بقيادة السلطان قابوس بن سعيد، مسجلة عبر مسيرتها إنجازات عدة على غير صعيد جعلتها أكثر ازدهاراً وأمناً واستقراراً. إذ استطاع السلطان قابوس منذ توليه مقاليد الحكم في السلطنة عام 1970 الوصول بالمسيرة العمانية إلى مصاف الدول المتقدمة في مختلف الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحضارية..
إذ تواصل حكومة السلطان قابوس العمل في عدد من المشروعات الإنتاجية والخدمية الكبيرة، إذ ارتفع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي إلى أكثر من 30 ألف دولار سنوياً، وفق تقرير التنمية البشرية لعام 2009.
خيوط قوية
ومكّن البعد الإنساني في علاقة السلطان قابوس مع أبناء شعبه من تحقيق وترسيخ الوحدة الوطنية والتماسك بين أبناء الوطن، فهذه العلاقة بجوانبها العديدة والواسعة، وبخيوطها القوية التي تمتد القيادة والمواطنين أينما كانوا، والتي تتميز بالتواصل والامتزاج العميق.
ولعل أبرز مظاهر هذا التفاعل هو الجولات السلطانية السنوية التي تعد واحدة من أكثر الصور ذات الخصوصية العُمانية، إذ يحرص السلطان قابوس على الالتقاء بأبناء شعبه على الطبيعة، وحيث يقيمون، ليتلمس عن كثب ودون وسيط، احتياجات واهتمامات أفراد المجتمع.
وتكتسب الجولات السنوية أهميتها، ليس فقط من استمراريتها وانتظامها، ولكن أيضاً من محتواها ودلالاتها من ناحية، وجوانبها وأبعادها التنموية والاقتصادية والاجتماعية.. ففي الوقت الذي تسير فيه عملية بناء مؤسسات الدولة العصرية على أسس راسخة تعزز المواطنة والمساواة والعدالة، وتصل بثمار التنمية إلى كل أرجاء الوطن، باتت الجولة السنوية التي يقوم بها السلطان..
وتمتد عادة لعدة أسابيع، صيغة عمانية مميزة، ليس فقط لأنها أصبحت ملمحاً بارزاً من ملامح التواصل بين القائد وأبنائه على امتداد الوطن، ولكن أيضاً لأنها لم تعد مقصورة على معايشة المواطنين في محافظات السلطنة، ومناقشة أحوالهم، أو متابعة مشروعات التنمية، بل أصبحت إحدى سبل تعزيز المشاركة السياسية للمواطنين والاقتراب بمشروعات التنمية الاقتصادية والاجتماعية من احتياجاتهم اليومية المباشرة، مع إبراز الأولويات على الصعيد الوطني وحشد الجهود والطاقات من أجلها..
وهكذا باتت الجولات السنوية للسلطان قابوس ذات أبعاد تنموية واقتصادية وسياسية متعددة، وساهمت من خلالها إضافة مشروعات تنموية في مجالات الصحة والكهرباء والطرق والمياه وغيرها في الولايات.
مشاركة في القرار
وعلى صعيد إدخال المواطن العماني في صنع القرار والشراكة مع الحكومة في عملية التنمية والرقي، أقيمت المؤسسات التي تتيح له أن ينهض بدوره في خدمة وطنه وتطور مجتمعه، حيث كان إنشاء مجلس عُمان بمجلسيه الدولة والشورى.
ويتكون مجلس عُمان من مجلس الدولة الذي يعين السلطان قابوس أعضاءه من بين أفضل الخبرات العُمانية، ومن مجلس الشورى الذي ينتخب المواطنون العُمانيون ممثلي ولاياتهم فيه، وحظي المجلس في فترته الخامسة التي بدأت بانعقادها السنوي الأول (2011 ـ 2012)، بمجموعة من الصلاحيات التشريعية والرقابية، عدت مكسباً مهماً في مسيرة الشورى العُمانية التي قطعت 22 عاماً منذ إنشاء مجلس الشورى عام 1991..
وتبعه إنشاء مجلس الدولة في عام 1997. ونقلت هذه التشريعات اختصاصات مجلسي الدولة والشورى من دور رفع التوصيات والاقتراحات والدراسات، إلى دور اقتراح مشروع القرار التشريعي والرقابي، سواء في اقتراح مشاريع قوانين جديدة، أو مراجعة قوانين نافذة، وذلك وفق ما تتطلّبه المراحل التنموية الحالية والقادمة، وهذا ما يجعل الدور الذي يقوم به مجلس عُمان دوراً محورياً ومهماً.
وجاء المرسوم السلطاني رقم 99 الصادر في 19 أكتوبر 2011 بتعديل بعض أحكام النظام الأساسي، ليؤكد ثوابت نهج تطوير الأداء، وترجمة صادقة لإرادة السلطان قابوس في توسيع صلاحيات مجلس عُمان بموجب المرسوم السلطاني رقم 39 الصادر في 12 مارس 2011 بشأن منح مجلس عُمان الصلاحيات التشريعية والرقابية..
والذي نص في مادته الأولى على منح مجلس عُمان الصلاحيات التشريعية والرقابية، وفقاً لما يبينه النظام الأساسي للدولة والقوانين النافذة، بينما نصت مادته الثانية على أن تشكل بأمر سلطاني لجنة فنية من المختصين لوضع مشروع تعديل للنظام الأساسي للدولة، بما يحقق حكم المادة الأولى من هذا المرسوم.
وشهد دور الانعقاد السنوي الأول من الفترة الخامسة لمجلس الــدولة نــشاطاً واسعاً متعـــدد الجوانب، يرتبط إلى حد كبير بحياة المواطن العـــماني واهتماماته.
وتُعد الفترة السابعة لمجلس الشورى فترة نوعية ومحطة هامة من مسيرة الشورى، بها انتقلت التجربة العمانية إلى خطوات متقدمة في الممارسة المتكاملة للعمل البرلماني، وتعززت منظومة دولة المؤسسات والقانون، وتطورت آفاق الشراكة بين المجلس وبين الحكومة في كل ما يهم الوطن، ويدعم من مسيرة التنمية الوطنية الشاملة..
وتجلت صورة المرحلة الجديدة من ممارسة عمل الشورى في هذه الفترة بمنح المجلس المزيد من الصلاحيات التشريعية والرقابية. وعلى ضوء ذلك شهد مجلس الشورى العديد من المتغيرات والنقلات المفعلة للصلاحيات والمهام الممنوحة، حيث انتخب المجلس رئيساً له من بين أعضائه، كأول ممارسة فعلية للصلاحيات الجديدة..
وهي المرة الأولى التي يتم فيها انتخاب رئيس المجلس من بين أعضائه، ومنح المجلس صلاحيات أوسع في مجال المشاركة في دراسة مشروعات الموازنات العامة للدولة، والخطط التنموية الخمسية، والاتفاقيات الاقتصادية والاجتماعية التي تعتزم الحكومة إبرامها أو الانضمام إليها، وحق استجواب وزراء الخدمات في الأمور المتعلقة بتجاوز صلاحياتهم المخالفة للقانون، وغيرها من الأدوات الرقابية المعززة لدوره.
وبإصدار قانون المجالس البلدية وفق المرسوم السلطاني رقم 116 لعام 2011 (في 26 أكتوبر من ذلك العام)، تكون السلطة استكملت خطوة التقسيم الإداري الجديد، بتحويل المناطق إلى محافظات، وتنظيم عمل المحافظين بالاتجاه نحو اللا مركزية، وإعطاء النطاق الأهلي البشري القدرة على القيام بما يحتاج إليه من التنمية.
وتدشن المجالس البلدية مرحلة جيدة من المشاركة الشعبية، والتكامل بين فئات المجتمع والمؤسسات الحكومية، تتكامل فيها المجالس البلدية مع الدور الذي يقوم به مجلس الشورى، في رسم خطط التنمية، وتؤطر الجهود البلدية لصالح التنمية في البلاد، ويضعها في مجراها الصحيح وفق احتياجات كل محافظة، وتحقيق ما يتطلع إليه المواطن العماني، ويدعم مسيرة التنمية الوطنية الشاملة.
سياسة عنوانها صداقة الجميع
وعلى صعيد السياسة الخارجية، تتميز سلطنة عمان بالحياد وعدم التدخل في شؤون الآخرين، إلا بالشكل الإيجابي، ودأبت هذه السياسة، وعلى امتداد السنوات الماضية، ولا تزال، على مد جسور الصداقة، وفتح آفاق التعاون والعلاقات الطيبة مع مختلف الدول، وفق أسس راسخة من الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، واحترام علاقات حسن الجوار، واعتماد الحوار سبيلاً لحل كل الخلافات والمنازعات بين مختلف الأطراف.
وفي ما يتصل بعلاقات السلطــنة بالأشقاء والأصدقاء، فإنه في الوقت الذي يحظى فيه التعــاون والتكامل بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية باهتمام عماني خاص على امتداد العقود الماضية، فإن السلطنة تحرص دوماً على بناء جسور المودة والتواصل مع كل الأشقاء والأصدقاء في المنطقة والعالم، تحقيقاً للمصالح المشتركة والمتبادلة، وإسهاماً في تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة.
وكان للدبلوماسية العُمانية إسهام قوي ومتواصل في خدمة التنمية الوطنية، وتقديم صورة للسلطنة تعكس ما تشهده من تطوّر في مختلف المجالات، وما يتوفر لها من مناخ استثماري طيب، وفرص واعدة للمستثمرين من داخل المنطقة وخارجها، خاصة وأنها تتمتع بالأمن والأمان والاستقرار، وبالسمعة الطيبة في كافة الأوساط المالية والاقتصادية العالمية.
وفي هــذا الإطار قال السلطان قابوس في إحدى خطبه: «إننا نعـــيش في عالم متداخل المصالح والسياسات، وإن تعاوننا مع هذا العالم إنما يأتي انطـــلاقاً من المصالح العليا للسلطنة، وإسـهاماً في استتباب الأمن.
كما أكد السلطان في كلمته خلال افتتاح الفترة الخامسة لمجلس عُمان لعام 2010، على أن السياسة الخارجية للسلطنة «أساسها الدعوة إلى الإسلام والوئام والتعاون الوثيق بين سائر الأمم، والالتزام بمبادئ الحق والعدل والإنصاف، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير، وفض المنازعات بالطرق السلمية، وبما يحفظ للبشرية جمعاء أمنها واستقرارها ورخاءها وازدهارها».
وبهذه الرؤية الواضحة والعميقة، أسست السلطنة علاقاتها مع الأشقاء والأصدقاء، كدولة سلام تسعى دوماً إلى حل الخلافات بالحوار الإيجابي وبالطرق السلمية، وإلى بذل كل ما تستطيع من أجل تعزيز السلام والأمن والاستقرار في محيطها، ولأنها كسبت صداقة وثقة وتقدير الآخرين كقيادة ودولة، فإن جهودها الخيرة ومساعيها كثيراً ما نجحت في تقريب المواقف وتجاوز الخلافات بين الأشقاء والأصدقاء في المنطقة وخارجها، وهو ما أكسب السلطنة مزيداً من التقدير على كافة المستويات.
وحرصت الدبلوماسية العمانية على صداقة العالم، وزرع العلاقات الحسنة والمتكافئة مع كل دولة تخطو خطوات إيجابية على طريق التعاون معها، والالتزام بالمواثيق الدولية، ومبادئ الأمم المتحدة في سبيل تحقيق التقدم والتطور وتثبيت دعائم الاستقرار العالمي.
ومن هنا، يتأكد أن تفاعل السياسة الخارجية العمانية تجاه كل الأحداث التي مرت بالمنطقة والعالم، كان حصيفاً وواعياً، فلم تسمح للأحداث حتى في أقصى لحظات استعارها أن تؤثر فيها.
التسامح.. روح الشخصية العمانية
تقوم السلطنة بجهود ملموسة لتعميق مفهوم التعايش والتسامح الذي بات عالمنا اليوم في حاجة ماسة إليه أكثر من أي وقت مضى.
ولا تقتصر تلك الجهود على الدبلوماســية العمانية الناجحة فحسب، بل تمتد إلى الطرح الفكري المعمق لتجسير الفجوات بين الشعوب والثقافات، وبين أتباع الديانات المختلفة، للالتـــقاء على أرضية إنسانية مشتركة.
وأشاد التقرير السنوي للحريات الدينية في العالم لعام 2012 الذي أصدرته وزارة الخارجية الأميركية بجهود السلطنة في مجال محاربة التطرف الديني، وتعزيز الحريات الدينية.. إذ يوضح التقرير أن السلطنة تنتهج رسالة «إسلام معتدل ومتسامح» وهو ما تدل عليه حرية المعتقد الذي يتمتع به أبناء الطوائف الدينية المختلفة في السلطنة حيث يمارسون شعائرهم الدينية دون تضييق. وذكر التقرير أن السلطنة بعيدة عن الدول التي تتساهل إزاء انتهاكات الحريات الدينية حيث تمارس الأقليات معتقداتها بحرية.
وفي هذا الســياق، أكد السلطان قابوس في افتتاح الفـترة الخامسة لمجلس عُمان، في 31 أكتوبر 2011 أن «الفكر متى ما كان متعدداً ومنفتحاً لا يشوبه التعصب كان أقدر على أن يكون الأرضية الصحيحة والسليمة لبناء الأجيال ورقي الأوطان وتقدم المجتمعات».
من المناسبة
بناء الدولة
يحرص العمانيون على بناء دولة المؤسسات وتطويرها، باتت السلطنة تعتبر من أكثر مناطق الشرق الأوسط أماناً، حيث حظيت السلطنة بمرتبة متقدمة في مؤشر السلام العالمي، باعتبارها من أكثر الدول أمناً على مستوى الشرق الأوسط وأفريقيا، وجاءت في المرتبة الرابعة عربياً، والـ 41 عالمياً، وفق مؤشر السلام العالمي الذي تضمنه تقرير معهد الاقتصاد والسلام الأسترالي لعام 2011.. والذي شمل 153 دولة على مستوى العالم.
كلية الأجيال
في إطار نهج الجولات السلطانية السنوي، شهد مطلع العام، خلال زيارة قابوس لمحافظة الداخلية، الإعلان عن إنشاء كلية الأجيال للصناعات التقليدية في ولاية بهلا، كما أعلن عن إنشاء صندوق الرفد الذي تتجمع فيه مختلف مصادر دعم الشباب، ومنها مشروع «سند» وغيره.
وقرّر السلطان منح «رفد» رأسمال قيمته 70 مليون ريال عماني، على أن يزود بسبعة ملايين كل عام، تضاف إلى رأس المال.
150
لسلطنة عمان علاقات دبلوماسية مع أكثر من 150 دولة في العالم، وتشارك في عضوية أكثر من 105 من المنظمات والهيئات الإقليمية والدولية المعنية بمختلف مجالات التعاون بين الدول والشعوب.
دور ثقافي
يقوم مركز السلطان قابوس للثقافة في العاصمة الأميركية بدور نشط في تحقيق التواصل الفكري والحضاري بين الشعب العماني والشعوب العربية بوجه عام، وبين الشعب الأميركي من خلال أنشطته وفعالياته العديدة والمتنوعة.
عفو سامٍ
أصدر القائد الأعلى السلطان قابوس بن سعيد سلطان عمان، عفواً خاصاً عن مجموعة من نزلاء السجن المدانين في قضايا مختلفة في السلطنة، حيث بلغ عدد الذين شملهم العفو السامي 41 نزيلاً عُمانياً، و59 نزيلاً من جنسيات أخرى. ويأتي العفو تزامناً مع احتفال السلطنة بالعيد الوطني الثالث والأربعين، ومراعاة لأسر هؤلاء النزلاء.



