لم يعد التدخل الخارجي في الشأن التونسي خافياً، فقد اعتاد التونسيون على الجولات المكوكية التي يقوم بها السفير الأميركي جاكوب والس بين مقارّ حركة النهضة، وحركة نداء تونس والاتحاد العام التونسي للشغل، كلما جدّ جديد في الأزمة السياسية في البلاد، في وقت تدعم باريس الأحزاب العلمانية، وتساند أنقرة حركة النهضة.
ويعتبر السفير الأميركي الأكثر نشاطاً في هذا الاتجاه، نظراً لما يعتبره المراقبون انتقال تونس إلى الفلك الأميركي، ضمن تحالف واشنطن الراهن مع التنظيم العالمي لجماعة الإخوان، ومكوناته ومنها حركة النهضة التي تقود الائتلاف الحاكم في تونس.
رهان واشنطن
وتقول مصادر دبلوماسية لـ «البيان» إن واشنطن «تعمل على ألا يفشل المشروع الذي تقوده في المنطقة تحت مسمى الربيع العربي في تونس، بعد إنهيار حكم حلفائها الإخوان في مصر، وهيمنة الميلشيات المسلحة على مفاصل الدولة في ليبيا». وتضيف أن «الغرب، الذي راهن على موجة التحولات، يشعر بخيبة أمل ولا يريد الاعتراف بالفشل..
ويحاول أن يجعل من تونس النموذج الذي نجح، لإقناع الرأي العام لديه بأن المشكلة الأساسية ليست في الفكرة، وإنما في البيئة التي تحتضنها ويستغل لوبي الإخوان في واشنطن هذا الوضع لإقناع الإدارة الأميركية بضرورة الاستمرار في دعم حركة النهضة،لإثبات إمكانية التوفيق بين الإسلام والديمقراطية في حالة استمرار حكم الإسلاميين».
وينظر المراقبون إلى الموقف الأميركي على أنه بات يتسم بالقلق إزاء الوضع في تونس، ففي 14 يوليو الماضي وجهت الاستخبارات المركزية الأميركية تحذيراً لجهاز الأمن الخارجي التونسي، بوجود خطة لاغتيال الزعيم المعارض محمد البراهمي..
غير أن السلطات التونسية لم تتخذ أي إجراء لحمايته إلى أن اغتيل في 25 يوليو من قبل متشددين. ومنذ ذلك الوقت، قررت الإدارة الأميركية توجيه التحذيرات مباشرة إلى المعنيين بها، كما حدث في أكتوبر الماضي مع خمسة من قياديي حركة نداء تونس.
التوافق أو الإرهاب
وتدعم الإدارة الأميركية خريطة الطريق التي أعدها الرباعي الراعي للحوار الوطني، ومما تم نقله عن السفير الأميركي أثناء لقاء جمعه الأسبوع الماضي بالأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل حسين العباسي أن «أمام تونس فرضيتان فإما اعتماد خريطة الطريق والسير نحو المستقبل بثقة تامة وإما استمرار الأزمة بما يخدم الإرهاب ويزيد من تمدّده».
وتؤكد مصادر إعلامية أن واشنطن اقترحت لمنصب رئيس الحكومة المستقلة الخبير في البنك الدولي، الوزير الأسبق إسماعيل خليل، 81 عاماً، غير أنه اعتذر، بينما لا يزال البنك الدولي ذاته يرى في المحافظ السابق للبنك المركزي مصطفى كمال النابلي أفضل من يقود الحكومة في هذه المرحلة المتأزمة.
فرنسا ودعم العلمانيين
بالموازاة، يتهم الإسلاميون فرنسا بدعم الأحزاب العلمانية، وخاصة حركة نداء تونس التي يتزعمها الباجي قايد السبسي، التي تدافع عن خصوصيات الدولة التونسية الحديثة، كما أسسها الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة. ولا تخفي باريس تعاطفها مع النخب العلمانية في تونس، في حين تراجع الدور الألماني المنفذ للأجندة الأميركية في المنطقة بعض الشيء.
بدورها، لا تخفي أنقرة دعمها ومساندتها لحركة النهضة، كونها امتداداً للمشروع الإخواني في المنطقة، وبسبب العلاقة الفكرية والأيديولوجية والشخصية بين رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي من جهة، ورئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان.
دور الجزائر
قادت الجزائر محاولات لتقريب وجهات النظر بين الفرقاء السياسيين في تونس، ففي سبتمبر الماضي، استقبل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة كلًا من رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي ورئيس حركة نداء تونس الباجي قايد السبسي في لقاءين منفصلين، ثم صرّح السفير الجزائري في تونس عبد القادر حجار بأن بلاده تسعى لدعم الحوار بين مختلف الأطراف التونسيين، لتجاوز أية معوقات قد تقف في وجه الانتقال الديمقراطي في تونس. البيان