لا تزال عالقة في الأذهان تداعيات صراعات اربيل والسليمانية، أو الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني وجلال طالباني، في تسعينات القرن الماضي، التي شهدت أشرس المعارك بين المنطقتين إلى أن تم الصلح بين الزعيمين برعاية أميركية، قبيل غزو العراق العام 2003. كثيرون لم يرق لهم هذا الصلح، وكثيرون من لم ينسوا الدماء التي سالت.

 ولكن الأهم من ذلك في نظر المتابعين للشأن الكردستاني، أن «السليمانيين» الذين كانوا يفخرون بــ «ديمقراطيتهم ومدينيتهم»، أصبحوا يشعرون بأنهم صاروا تابعين لأربيل «العشائرية»، على الرغم من الادعاءات والبيانات الرسمية التي تتحدث عن الشراكة والمساواة والنديّة و«التحالف الاستراتيجي».

شعور التفوق

وجاء انشقاق حركة التغيير، بقيادة نوشيروان مصطفى، عن حزب طالباني في 2006، ليستثمر كل تلك المشاعر ويكسب جماهير الاتحاد الوطني الكردستاني إلى صفوفه، وهو ما يعني الآن، بعد تفوقه على طالباني، عدم إمكانية إبقاء السليمانية مجرد تابعة لأربيل. ويرى المراقبون أن حركة التغيير كسرت أحد ضلعي التحالف الكردستاني في انتخابات الإقليم الأخيرة بتفوقها الساحق على حزب طالباني..

وخاصة في معقله «السليمانية»، اكبر محافظات إقليم كردستان. و«كسر الضلع» هذا له انعكاساته الجذرية على الواقع السياسي في إقليم كردستان، إذ يعني أن «التحالف الاستراتيجي» بين الحزبين اللذين كانا رئيسيين أصبح في مهب الريح. وينص هذا التحالف على تقاسم المناصب، والتناوب عليها، وتكون حكومة السليمانية تحت قيادة الاتحاد الوطني الكردستاني، الذي كان يمثل الأغلبية في المحافظة، وهذا غير ممكن الآن، لأن الأغلبية في المحافظة أصبحت لحركة التغيير.

سعي الانفصال

في السابق، كان بإمكان رئاسة أو حكومة الإقليم، تنصيب محافظ للسليمانية بالوكالة، في حالة خلو المنصب، تحت ذريعة «الاتفاق الاستراتيجي»، وما أفرزته الانتخابات قبل الأخيرة، وإن كان الأمر لا يخلو من انتهاك الديمقراطية، والتجاوز على إرادة مجلس المحافظة، ولكن هذا غير ممكن الآن، وغير ممكن تقاسم المناصب، مع وجود طرف رئيسي آخر في السليمانية، له الاستحقاق الانتخابي..

كما لا يمكن لرئيس إقليم كردستان أو رئيس الوزراء المكلف، تشكيل حكومة أغلبية، بمعزل عن ممثلي أكبر محافظة في الإقليم، لأن ذلك يعني «سعي رئاسة الإقليم للانفصال عن السليمانية»، فيما لا يمكن لحركة التغيير أن تكون الشريك البديل لحزب طالباني، إلا وفق شروطها، ونقض تنازلات الطالباني، وإلا يكون مصيرها نفس مصير الشريك السابق.

تطور تصعيدي

وتناقلت وكالات الأنباء تقارير عن تطور خطير على صعيد الأزمة بين حركة التغيير المعارضة «الفائزة» والاتحاد الوطني الكردستاني «الخاسر»، على خلفية تأخير انتخابات مجالس المحافظات في إقليم كردستان، حيث أمهلت كتلة التغيير مجلس إدارة محافظة السليمانية (المحافظ وكالة) بهروز محمد صالح أسبوعين لتقديم استقالته، وإلا فإن المجلس سيلجأ إلى انتخاب محافظ جديد بدلًا منه.

رفض التأجيل

وأدى التأجيل المتتالي لانتخابات مجالس المحافظات في إقليم كردستان، إلى إعطاء انطباع بان القيادات الكردية الحالية، تريد إعادة ترتيب أوراقها، بما يسمح لإبقاء الوضع كما هو، الأمر الذي ترفضه حركة التغيير بشكل قاطع، وهو ما دفعها إلى طلب تغيير محافظ السليمانية، وانتخاب بديل له من خلال المجلس المحلي الحالي، الذي أصبحت للمعارضة الكردية أغلبية فيه.

تحذير أممي

 دعت بعثة الأمم المتحدة في العراق الكيانات السياسية في إقليم كردستان إلى «التعاون الكامل» مع المفوضية العليا المستقلة للانتخابات بشأن انتخابات مجالس محافظات الإقليم، وتقديم قوائم مرشحيها قبل الموعد النهائي، محذرة من إرجاء الموعد النهائي مرة أخرى لأن ذلك يؤثر على موعد الاستعدادات للانتخابات البرلمانية الوطنية في العام المقبل. البيان