فيما كان الفلسطينيون يعدّون لإحياء الذكرى التاسعة لرحيل القائد الرمز، كما يحلو لهم تسميته، ياسر عرفات (أبوعمّار)، بدأت تتكشف حقائق جديدة تثبت تورط إسرائيل بشكل كامل في اغتيال الزعيم الفلسطيني الراحل باستخدام مادة البولونيوم المشع القاتلة، لكنها قد تضيع في سراديب التأويلات وعدم دقة الاتهامات.
أبوعمار، الذي بدأ حياته فدائياً في مواجهة جيش الاحتلال الساحق، حمل البندقية في يد وغصن الزيتون في اليد الأخرى ونجا من عدة محاولات استهداف إسرائيلية وغير إسرائيلية سابقة، كان يتوقع اغتياله في أي لحظة لاسيما بعد حصار الجيش الإسرائيلي الطويل له في مقر المقاطعة في رام الله، وما انفك يردد عبارته الشهيرة «يريدونني أسيراً أو جريحاً أو قتيلاً، وأنا أقول لهم شهيداً شهيداً شهيداً».
ومنذ أن فجّرت قناة الجزيرة بتقريرها الشهير ملف وفاة عرفات الغامض، ما استدعى نبش رفاته، بدأت القيادات الفلسطينية تتحرك ببطء نحو المطالبة بكشف الحقيقة، إلى أن نشر الخبراء السويسريون أخيراً، على الملأ في تقريرهم أنهم عثروا على نسب تصل إلى 20 مرة أعلى مما اعتادوا قياسه من البولونيوم 210..
وهذا يدعم فرضية التسمم وضلوع «طرف آخر» لم يسمه أحد سوى لجنة التحقيق الفلسطينية، التي اتهمت إسرائيل بشكل مباشر وصريح باغتيال أبوعمار، ملوحين بمعاقبة وملاحقة مرتكبي الجريمة.
تدويل مطلوب
ناصر القدوة، ابن شقيقة عرفات، فجّر قنبلة من عيار جديد على القضية، مطالباً بتدويل ملف التحقيق ونقله إلى أروقة الجمعية العمومية للأمم المتحدة، داعياً القيادة الفلسطينية إلى تولي زمام المبادرة في ذلك واتخاذ موقف سياسي حازم تجاه الجناة. فيما تعهد الرئيس الفلسطيني محمود عباس بمواصلة التحقيق لكشف الحقيقة.
غموض فرنسي روسي
فرنسا وروسيا بدورهما، أبقتا على غموض قد يضيع معه ملف القضية في سراديب التأويلات أو الأدلة.
موسكو أفادت تسريبات عن تقريرها أنه لا يوجد ما يدعم فرضية الاغتيال، وهو الأمر الذي استندت إليه تل أبيب لتبرئة ساحتها. فيما لا تزال باريس تحتفظ بتقريرها عن العينات البيولوجية لعرفات الذي توفي في مستشفى بيرسي العسكري، رغم مطالبة وزير العدل الفلسطيني بشكل واضح وصريح السلطات الفرنسية بإرسال النتائج «فوراً».
وقبل عشرة أيام من زيارة الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند المقررة إلى إسرائيل والأراضي الفلسطينية يومي الاثنين والثلاثاء المقبلين، أعلنت الخارجية الفرنسية أن السلطات القضائية هي من يقرر نقل الملفات وليست السلطة السياسية، ما يعني «لا تضغطوا على هولاند، فليس بيده حيلة»!.
لا تسرّع
في خضم هذا الشد والجذب، رغم وضوح خيوط القضية وضوح الشمس، يرى مراقبون أن أي تسرع من جانب الفلسطينيين في تدويل الملف أو نقله إلى أي جهة تحقيق خارجية قد يفضي في النهاية إلى تبرئة تل أبيب من التهمة، وهو ما قد يغلق باباً لكشف الحقيقة ومحاسبة الجناة، لا يزال حتى اللحظة مفتوحاً.
ليبقى السؤال الأكثر حرجاً الذي يطرح نفسه: هل مات عرفات أم قُتل؟ يبدو أن إجابة ذلك ستبقى حائمة في الفضاء، فلا أحد يجرؤ على إعلان أو تقبل الحقيقة لأن اغتياله يحرج الجميع، وليس إسرائيل وحدها.
رحلة حصار
توفي الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات عن عمر ناهز 75 عاماً في 11 نوفمبر 2004، في مستشفى بيرسي دو كلامار العسكري قرب باريس.
حيث نقل في نهاية أكتوبر إثر معاناته من آلام مفاجئة في الأمعاء من دون حمى، من مقره في المقاطعة بمدنية برام الله حيث كان يعيش محاصراً من الجيش الإسرائيلي منذ ديسمبر 2001، الذي بدأ حصاره يأخذ شكلاً تصعيدياً، حيث اقتربت الدبابات من المقاطعة وقصفت أجزاء منها، لكن عرفـات ظل كعادته يستقبل كبار الزوار والوفود الدولية والمساعدين والأهالي.
