قفز الوضع في طرابلس شمال لبنان حيث اغتيل القيادي في جبهة العمل الإسلامي، عضو تجمّع العلماء المسلمين في لبنان سعد الدين غيّه (المعروف بقربه من الخيارات السياسية لقوى 8 آذار)، إلى الواجهة مجدّداً، وذلك تخوّفاً من واقعها الذي بات مفتوحاً على كل الاحتمالات، بحسب مصادر أمنيّة، ما استدعى تأكيد وزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال مروان شربل على ضرورة تنفيذ الخطّة الأمنية في هذه المدينة «بأسرع وقت ممكن»، للحفاظ على أمنها وضبط الوضع فيها.
ووقعت جريمة اغتيال غيّه بإطلاق النار عليه داخل سيارته قرب منطقة البحصة من قبل مجهولَين كانا يستقلّان دراجة نارية. وفيما نعت الجبهة غيّه، معتبرة أنه «دفع ضريبة العمل الإسلامي الجهادي الوحدوي المقاوم»، أصدر حزب الله بياناً، دان فيه الجريمة، ورأى أنها «نتيجة لخطاب التعبئة التحريضية الذي تمارسه بعض الجهات في طرابلس». وفي ظلّ الخطاب المتشدّد الذي ينتهجه فريقا 8 و14 آذار حيال ما يجري في عاصمة الشمال، وإن أجمعا على ضرورة وأد الفتنة، حذّرت مصادر سياسية معنيّة من أن البلاد تتقلّب على نار الأمن المتفلّت، ومن أن اغتيال غيّة شكّل تحوّلاً في مسار التطورات شمالاً، حيث بات المقرّبون من النظام السوري في دائرة الاستهداف، ما يجعل الحديث عن «خطّة أمنيّة» في مهبّ الريح، إلا إذا رفِع الغطاء عن أمثال مرتكبي جريمة الاغتيال.
وفي السياق، تجدر الإشارة الى أن اغتيال جاءت بعد نهاية 17 جولة من الاشتباكات بين باب التبانة وجبل محسن (طرابلس)، وبعد تفجير المسجدين فيها وهما السلام والتقوى، وفي ظلّ السجال الدائر بشأن المتهمين. وبحسب القراءات المتعدّدة، فإن الوضع الطرابلسي ينحدر إلى نقطة الصفر، بفعل جريمة اغتيال رجل دين في وضح النهار، ما يجعل الأسئلة تزدحم حول مصير الخطّة الأمنيّة، وما يشير الى أن ما وصلت إليه الأمور يعود الى بيئة الخطاب التحريضي الذي ملأ الفضاء الشمالي وبات صداه يتردّد في أرجاء بلاد تنتظر ردّاً جامعاً لوأد الفتنة في مهدها.
وفيما تستعدّ طرابلس لإجراءات أمنية، في إطار الخطة الأمنيّة الجديدة، علمت «البيان» أن هذه الخطّة هي في حوزة قائد الجيش العماد جان قهوجي، وتنتظر القرار السياسي للبدء بتنفيذها. أما عنوانها، فيتلخّص بالردّ على مصادر النيران من أيّ جهة أتت، ذلك أن قيادة الجيش ترفض الخضوع لإملاءات السياسيّين الموجودين في المنطقة ورغباتهم، وتشدّد على أنّها المعنيّة الأولى بالدفاع عن أهل المدينة وأمنهم واستقرارهم، بحسب قول مصدر عسكري معني لـ«البيان».
ووفق المعلومات أيضاً، فإن الاستعدادات بوشرت لتعزيز القوى الأمنية في طرابلس، بعدما تقرّر مبدئياً أن تنتشر قوة من الأمن الداخلي (قوامها ألف عسكري) في عمق باب التبانة والأحياء المجاورة، في إطار توزيع القوى والأدوار والمهمّات مع الجيش اللبناني وقوّة من الأمن العام التي انتشرت في المدينة. وغداة سقوط مدينة القصير وريفها في يونيو الماضي بأيدي الجيش السوري، ضجّت الساحة اللبنانية بأخبار، مفادها أنّ قراراً سرّياً اتخذ من قبل عدد من مسؤولي القوى الإسلاميّة والسلفيّة المتشدّدة، يقضي بتنفيذ خطّة شاملة تقضي بتحصين المدينة من الداخل، تحضيراً لتطوّرات لا بد أن تكون آتية على سوريا، ومنها على لبنان، وخصوصًا منطقة الشمال فيه. وهذه الأخبار تمّ تناقلها خلال الساعات الأخيرة، تزامناً مع تحذيرات من أن الأمور مرشّحة لمزيد من التدهور السريع والخطير، في عاصمة الشمال تحديداً، والذي سيتجاوز هذه المرّة مسألة جولة قتال جديدة، ليتحوّل إلى صراع مذهبي سياسي دموي شامل.