تسعى وحدات حماية الشعب الكردية للحصول على ثقة المكونات السورية المتداخلة مع الكرد في شمالي شرقي البلاد، التي بدأت تنفر من سلوكيات تنظيمات القاعدة التي سيطرت على مناطق خارج سيطرة النظام، ساعية لأن تمثل في المنطقة بأدور «المنقذ» في وجه داعش وغيرها من الفصائل.

وكان تحرير معبر اليعربية بالتعاون مع عشيرة شمر العربية، وتبرع رجال الأعمال المسيحيين بأموال طائلة إلى قوات حماية الشعب في رأس العين تدخل في هذا المسار أحد ملامح هذه الثقة الناشئة بعد سنوات من التشكيك.

وحقق المقاتلون الكرد الذين يحاربون تحت يافطة وحدات حماية الشعب، انتصارات متتالية على مدار المعارك اليومية المندلعة ضد مقاتلي الدولة الإسلامية في العراق والشام المعروف اختصاراً باسم «داعش» منذ قرابة سبعة أشهر.

وتحمل هذه الانتصارات في طياتها أهمية مصيرية عند المكون الكردي، وقد تتجاوز تداعياتها السياسية عتبة معركة كسر العظم أو صراع النفوذ كما يجري تداوله في بعض المنابر الإعلامية.

وليس من قبيل المفارقة توصيف الطرف الكردي الصراع الدائر مع أجنحة القاعدة على أنه قضية «الوجود أو العدم» نظراً لاستحقاقات استراتيجية قد تعود ثمارها إلى رصيد الحركة السياسية الكردية خصوصاً ومستقبل القضية الكردية عموماً فيما لو دامت سلسلة الانتصارات العسكرية على يد وحدات حماية الشعب.

ثلاثة أهداف

وثمة ثلاثة أهداف حيوية تأمل وحدات حماية الشعب إنجازها بالتوازي مع خطوات سياسية ودبلوماسية يقوم بها حزب الاتحاد الديمقراطي المتناغم مع المقاتلين الكرد. وهذه الأهداف الثلاثة تتداخل فيها منجز عسكري ميداني مع مكسب سياسي مجتمعي تفاوضي بغرض قطف الثمار لصالح القضية الكردية وتحقيق نوع من التوافق الوطني القومي مستقبلاً.

فالهدف الأول، على صلة مباشرة بالوجود الكردي وأهمية الحفاظ على تماسكه المجتمعي ضد انتهاكات وهجمات «داعش» المتواصلة. فتنظيم «داعش» بنظرهم يمثل قوة غاصبة تسعى إلى نشر الفكر الظلامية في خضم بيئة تعيش على التنافر في بنيتها المجتمعية مع التيارات الإسلامية الراديكالية. وهذا الخطاب المباشر يُشكّل دعامة صلبة تنهل منها وحدات حماية الشعب مبرراتها في حربها ضد «داعش» وجبهة النصرة.

كسر شوكة

وعدا عن ذلك، فإن كسر شوكة تنظيمات جهادية متطرفة يحقق للمكون الكردي عاملاً في غاية الأهمية، متجسداً في كسب مزيد من الشرعية الدولية والإقليمية التي تتخوف من تمدد نفوذ القاعدة في العمق السوري، ويبدو أن الروس والأميركيين يتحركون في هذا الاتجاه بناء على تصريحات إعلامية صادرة من ممثلي الدولتين وموافقتهما المبدئية على حضور الهيئة الكردية العليا مؤتمر جنيف 2 كما قال صالح مسلم رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي عشية لقائه مع نائب وزير الخارجية الروسي في جنيف، موضحاً أن الجانب الروسي أبلغه بأن الإرادة الكردية ستمثل في المؤتمر الدولي. رغم ما تعنيه هذه المقاربة الأممية من الانزعاج لتركيا التي تتخوف بدورها من تبلور كيان كردي في شمال سوريا.

أوراق قوة

وفي حين أن الهدف الثاني مرهون بتوقيت انعقاد مؤتمر جنيف2، وخاصة أن لهذا المؤتمر أهمية حيوية وتاريخية فيما يخص إشكالية القضية الكردية في سوريا. فالحركة السياسية الكردية رغم أنها تشهد بداخلها تقلبات واستقطابات، لكن هذه الخلافات قد لا تبدو عائقاً أمام التوافق الكردي العام من أجل الذهاب إلى جنيف 2 بوفد مشترك حسب تصريحات القيادات الكردية أخيراً، سيما أنها تملك في جعبتها أوراقاً تفاوضية هامة فيما لو استثمر الإنجازات العسكرية الميدانية وتوسيع امتداد نفوذ وحدات حماية الشعب إثر طرد فلول «داعش» من المناطق ذات الأغلبية السكانية الكردية وتلك المناطق ذات الأغلبية العربية المتداخلة، وفق قاعدة منجز ميداني عسكري يجلب نصراً سياسياً على طاولة المفاوضات وعلى ضوء هذه المقاربة ستأخذ أي توافق سياسي منبثق من رحم مؤتمر جنيف 2 حقوق الكرد في الاعتبار طالماً يشكل الجانب الكردي لاعباً لا يمكن الاستغناء عنه في المشهد السوري.

منجز عسكري

وقد لا يكون المنجز العسكري وحده عاملاً حاسماً بنظر حزب الاتحاد الديمقراطي، القوة الأكثر تنظيماً والأوسع شعبية من بقية الأحزاب الكردية في تحقيق مكاسب جوهرية تخص القضية الكردية داخل مؤتمر جنيف، بل ربما يتطلب الأمر رسم واقع سياسي على الأرض. وهذا ما يحلينا إلى الهدف الثالث المتمثل في إعلان الإدارة الذاتية المؤقتة الذي طرحه حزب الاتحاد الديمقراطي على جميع الأحزاب الكردية والقوى السياسية والثقافية من المكونات المتباينة في المنطقة الشمالية الشرقية.

فمن أجل تدشين الإدارة الذاتية المؤقتة وتفعيل الإدارات التشريعية والقضائية والتنفيذية يستدعي الحال أن تخلو المناطق الكردية من شوائب فصائل عسكرية مناهضة لتطلعات الكرد. وتبرز على الفور «داعش» و«جبهة النصرة» كأهم مجموعات جهادية تقف حجرة عثرة في وجه هذا المشروع. ولا يستقيم إعلان كيان سياسي بدون إزاحة تلك المجموعات المسيطرة على بعض المناطق بحسب الاتحاد الديمقراطي.

 

إدارة كردية

أعلن الاكراد في شمال شرق سوريا في بيان أمس تشكيل ادارة مدنية انتقالية بعدما حققوا تقدما ميدانيا كبيرا في مواجهة المجموعات الجهادية. وصدر هذا البيان بعد مشاورات جرت في مدينة القامشلي ذات الغالبية الكردية وبعد اربعة اشهر من اعلان قادة اكراد في سوريا عزمهم على تشكيل ادارة انتقالية. وبموجب هذا القرار تقسم المنطقة الكردية في سوريا الى ثلاث مناطق يكون لكل منها مجلسها المحلي الخاص وممثلين في المجلس الاقليمي العام. أ.ف.ب