لم تعد زخات مطر الشتاء بشارة خير في المناطق السورية المحاصرة من النظام، فلسان حال الناس يقول: «أجارنا الله من الشتاء»، لما تحملها من تداعيات صعبة ومؤلمة على حياة المحاصرين الذين يفتقرون إلى ابسط المواد في مواجهة صقيع الشتاء.

من رحم اليأس والقنوط حيال معاناة المجاعة المستفحلة في معضمية الشام يقترح الناشط السوري فهد النعيمي شراء أعداد كبيرة من الأرانب والحمام وإطلاقها قرب المناطق المحاصرة، فعسى أن تستطيع هذه الحيوانات أن تتسلل وتكون غذاء للمحاصرين بعد أن عجز المجتمع الدولي الذي يزعم التحضر عن ذلك.

لكن الناشطة حنين النقري تحاول إسقاط هذه الحالة بطريقة تطبيقية أكثر نجاعة، حين تقول: «لا شك أن أزمة المواد الغذائية ستزداد مع الشتاء حيث لا خضار تنعش الأسواق كحال الصيف، وهنا يبرز دور المؤونة، لكن هل ستكفي أم سيضطر الناس لتطبيق فتوى علماء ريف دمشق بأكل لحم الكلاب والقطط ؟!». وتضيف: «أمامنا خيارات أخرى أقل وطأة على النفوس. مثلاً فكرة تربية الأرانب في المناطق المحاصرة، الأرانب من الحيوانات الثديية التي تتكاثر بأعداد كبيرة في كل حمل، وتبلغ جنسيًا في عمر ستة شهور، لم لا ننشئ مشاريع صغيرة لتربية الأرانب والاستفادة من لحمها وفروها؟».

زراعة على السطح

بينما يتحدى مزارع في أحد أحياء حمص القديمة صواريخ النظام ويتخذ من سطح البناية الواقعة وسط الأبنية المدمرة مكاناً لزراعة الخضار داخل بيوت بلاستيكية بعد أن فرش أرضية السطح بالتراب. ويقول : «لن تتهاوى عزيمتنا أمام سياسة التجويع طالما ثمة روح تنبض فينا، سنتقاسم المردود مع جميع المحاصرين، وبإذن الله سنتجاوز محنة الشتاء والحصار معاً».

وأمام العجز الذي أصاب المنظمات الإنسانية الدولية والمحلية من أجل إدخال الخبز والطحين إلى المناطق المحاصرة في الغوطة الشرقية والغربية، كانت بعض الاقتراحات تناشد التكيف مع نمط الحياة الطبيعية وترويض النفس دون خبز تماماً، ويقول عامر دوماني وهو ناشط يتنقل بين المناطق المحاصرة في الغوطة الشرقية: «الأفران تهدمت والطحين منعدم تماماً، ثمة أشخاص يهربون كميات محدودة من الطحين تصنع منها الخبز التنور وتتوزع على أعداد معينة. الاستغناء عن مادة الخبز أمر صعب بالتأكيد، لكن ليس أمامنا خيار آخر، بعض الناس باتت تستبدل الأعشاب الطبيعية التي تنمو مع حلول الشتاء على مادة الخبز، ولعلنا نتأقلم مع هذه الحالة فيما لو استمر الحصار».

وتبدو مشكلة الملابس الشتوية وتوقف حركة الأسواق في الأحياء المحاصرة عن الدوران من ضمن تحديات تواجه المحاصرين وتلك المدن والبلدات المطوقة أمنياً وعسكرياً، وعلى ضوء ذلك انتعشت مهنة الحياكة والخياطة اليدوية كأحد الحلول القادرة على تحقيق نسبة ما من الاكتفاء الذاتي، وهذه الحركة تقتصر بنسبة كبيرة على النساء أكثر من الرجال. ولا تتطلب وجود الماكينات الحديثة طالما الأدوات التقليدية تفي بالغرض.

وتبقى مشكلة الطاقة من بين ابرز التحديات تعصف بالمحاصرين، لكن هذا التحدي لم يحد من قدرة المحاصرين على ابتكار وسائل جديدة تجاه ما فرضته ظروف الحرب من انعدام الوقود وقطع الكهرباء، فلجأ السكان في الغوطة الشرقية إلى استثمار طاقة الشمس في الصيف الماضي، والآن يستبدلونها بطاقة الرياح في سبيل توليد الكهرباء وشحن وحدات البطاريات، لكن سلبية هذا الابتكار تكمن في تكلفتها العالية ومحدوديتها على بعض الناس الذين بحوزتهم السيولة الكافية، في حين حرم الفقراء من هذه الخاصية. ومن أجل ذلك كانت مادة الحطب والطرق البدائية تبرز نفسها كأنجع وسيلة في سبيل الحد من برودة الشتاء.