أثار بث قناة «الجزيرة» شريطاً منسوباً لزعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري إرباكاً إعلامياً ما زال البعض يتعامل معه على أنه حدث استثنائي. الشيء الجديد هو التسجيل الصوتي للظواهري الذي فصّل فيه حكمه في الخلاف بين جبهة النصرة ودولة العراق والشام (داعش)، وهو الحكم الذي تم تسريبه إلى قناة «الجزيرة» في شهر مايو الماضي كـ«رسالة مكتوبة». وكان أمير «داعش» أبو بكر البغدادي رفض حينها الحكم الذي قضى ببطلان دمج النصرة مع داعش عبر تسجيل في 14 يونيو الماضي أصدره البغدادي بعنوان: «باقية في العراق والشام».
ولم تجد المواقع الجهادية الموالية للبغدادي على الانترنت سوى إعادة بث خطاب البغدادي القديم للرد على حكم الظواهري القديم الذي تم بثه أول من أمس، وربما هذه المواقع والمنتديات هي الوحيدة التي لم تقع في خطأ وسائل الإعلام الأخرى التي تعاملت مع الحدث على انه حكم جديد للظواهري يقضي بحذف حرف «الشين» من «داعش».
توقيت البث
لا يعني هذا أن توقيت بث هذا التسجيل (ذي المضمون القديم) بلا معنى، فهناك رسائل عديدة يمكن استنباطها من إعادة البث صوتياً، أهمها أن العملية السياسية بين الأطراف السورية، لا يمكن أن تكون بقرار من فصيل عراقي، وهذ يمهد ربما لقبول جبهة النصرة تسوية سياسية مؤقتة لا تكون طرفاً فيها إلى حين الانتقال إلى المرحلة الأخرى من خططها، ودمج فصائل إسلامية سورية في جبهة النصرة. كما أن القتال السوري السوري، لا يفترض أن ينسحب بتداعياته على العراق، وبالأخص ما يتعلق بكسب عداء أكراد العراق المجاورين لسوريا، في وقت لم يكن هناك نشاط يذكر لتنظيم القاعدة في إقليم كردستان، إضافة إلى مشاركة أطراف كردية قريبة من «القاعدة»، وكانت تقاتل معها في إطار واحد، ضمن العملية السياسية في إقليم كردستان.
إلى جانب ذلك، هناك خسارة المعارضة السورية للتأييد الدولي، وملابسات الاتفاق غير المعلن بين طهران وواشنطن، بتضييق الدعم الغربي للمعارضة السورية، بمقابل تضييق الدعم الإيراني للميليشيات الشيعية والنفوذ الإيراني في العراق.
هذه المعادلة فهمها الظواهري، أو أفهمت له، إضافة إلى الواقع على الأرض، المختلف بين العراق وسوريا، فجاء تكرار إعلانه، إلغاء «داعش»، ومواصلة العمل باسم «دولة العراق الإسلامية»، بزعامة أبي بكر البغدادي (لمدة عام) ما يعني شبه تجميد للبغدادي، الذي حددت مدة زعامته بعام واحد، لافتا إلى أن «جبهة النصرة هي التي تتزعم فرع التنظيم في سوريا». غير أن هناك شكوكاً هائلة تحيط بقدرة الظواهري على إحداث تغييرات جوهرية قد تتعدى نفوذه الحقيقي على فروع التنظيم.
قيادات السجون
وفي واقع الحال لم يكن مستبعدا داخل تنظيم القاعدة في العراق، استبدال البغدادي، والمجيء بقيادة جديدة للتنظيم، وخاصة بعد «إطلاق» قيادات من الصفين الأول والثاني، في عملية سجن أبي غريب التي هرب فيها مئات السجناء، وهذه القيادات رغم ما عرف عنها من تشدد، إلا أنها دخلت عدة مرات كطرف تفاوضي مع الجانب الأميركي، وكانت تقوم قيادات السجون بإيصال ما يتم الاتفاق حوله إلى فروع التنظيم خارج السجن. وهنا يبرز ظرف جديد، وهو أن الأميركيين لديهم من تفاوضوا معه في السجن، هم الآن خارجه، وفي الصف القيادي لتنظيم القاعدة.
وكان أبو بكر البغدادي رفض، في يونيو الماضي أوامر الظواهري، بفسخ الاندماج مع «جبهة النصرة»، مؤكدا أن الاندماج بين التنظيمين سيستمر، رغم تأكيد الظواهري، على أن قرار الاندماج «تصرف خاطئ» اتخذه البغدادي من دون الرجوع إلى قيادة التنظيم العالمي. ويبدو الآن، مع تطور الأحداث، أن كفة المعارضين للاندماج داخل جبهة النصرة في سوريا، تفوقت على توجهات البغدادي، بعد أن ادخلها في صراعات غير مدرجة على جدول أعمال القاعدة في هذه الفترة، وينطبق الحال على تنظيم القاعدة في العراق الذي بدأت قيادات فيها بتقبل مراجعة التمدد إلى «الشام».
البغدادي
اختير أبو بكر البغدادي، واسمه الحقيقي إبراهيم عواد إبراهيم السامرائي ويلقب بـ(أبو دعاء)، في 16 من مايو 2010 كأمير للدولة الاسلامية في العراق، خلفا لأبي عمر البغدادي الذي قتل مع وزير حربه أبو حمزة المهاجر، في ضربة جوية أميركية بمنطقة الثرثار في محافظة صلاح الدين.