فشل محاولات عقد مؤتمر جنيف 2 في موعده المأمول، 23- 24 الجاري؛ رفع من وتيرة التحرك لعقده بفريق مفاوض ولو كان تمثيله جزئياً للمعارضة السورية. غادر السفير الأميركي في دمشق روبرت فورد المشرف على الملف السوري إلى اسطنبول لإجراء مشاورات مع أطراف المعارضة بخصوص المؤتمر الذي تطمح واشنطن وموسكو في عقده قبل نهاية العام.

وتأتي الزيارة عشية اجتماع هذه الأطراف غداً السبت للتباحث في شأن تمثيلها. وتعرف واشنطن أنه ليس بمقدور هذه القوى، لأسباب كثيرة متداخلة، التوافق على تشكيل وفد يمثلها جميعها؛ بحسب ما تبيّن في لقاء جنيف قبل يومين. وذهاب فورد إلى اسطنبول ليس لحملها على توحيد الموقف، بقدر ما هو لاستكمال توليف فريق منها للمؤتمر؛ من باب أنه لا خيار أمام المعارضة غير جنيف وأن واشنطن عملت ما بوسعها لتحقيق التفاهم بين أجنحتها من غير جدوى. فبالنهاية مطلوب تمثيل ما لها، يتم من خلاله وضع الجميع أمام الأمر الواقع.

تدريب مفاوضين

يرافق هذا الحراك المحموم تداول معلومات في واشنطن تقول بأنه يجري تدريب فريق من صفوف المعارضة على كيفية وأصول وتقنيات خوض المفاوضات والحوار في شأن أزمة من عيار الأزمة السورية. إعداد يجري على أساس أن المؤتمر في طريقه إلى الانعقاد بشكل أو بآخر. ويعكس ذلك مدى إصرار موسكو وواشنطن على المضي في هذا السبيل بصرف النظر عن رجحان كفة الاعتراض عليه في خندق المعارضة. إصرار يستبطن نسف ما تبقى من جسور بين أطراف هذه الأخيرة رداً أو عقاباً لها على نسفها لاحتمال عقد المؤتمر بعد أسبوعين، كما كان متوقعاً. أي عملياً شقها ووضعها على طريق التناحر الواسع المكشوف، الذي من شأنه أن يحوّل الأزمة في نقطة ما إلى مشكلة تفرض أولوية الحلّ الأمني الذي سعت الإدارة إلى تسويغه وفق التصور الروسي. وبذلك تصبح الحرب مثلثة الأضلاع في الداخل وبما يؤدي إلى تراجع الحل السياسي أو تجميده، نزولاً عند المطلب الروسي من جهة ولغاية استكمال حلقات الصفقة الأوسع في المنطقة التي يشكل النووي الإيراني محورها، من جهة أخرى.

مناورة إيرانية

وليس صدفة أن يتزامن ذلك مع تصريحات لوزير خارجية إيران حول الموافقة على العمل لسحب كافة القوات الأجنبية من سوريا. في أحد جوانبه، يصبّ هذا الكلام في السعي لإبراز وتقديم الجانب الأمني للأزمة خلال «جنيف»، على الشقّ السياسي الذي طالما أكّدت موسكو على وجوب تركه إلى وقت لاحق. وبدت واشنطن خاصة في الآونة الأخيرة، متفهمة بل مؤيدة لهذا التوجه وإن بصورة ملتوية. تخلّت عن معظم خطابها السابق وشروطه لتشدّد بدلاً من ذلك على الجوانب التي تدعم هذه المقاربة، مثل الجانب الإنساني المريع. مع أن هذا الأخير متفاقم منذ فترة ولم يلق من الاهتمام الذي يعطى له الآن والموظف في سياق التعجيل بالمعالجة الأمنية، التي لا يسع أحد رفضها في أي وقت.

محاذير

أهمية «جنيف2» أنه ضرورة وخيار يفرض نفسه. مشكلته أنه تأخر، بل تواطؤا على تأخيره. وربما تجاوزته الأحداث. خطورته أنه لا يحتمل الفشل. معادلة دقيقة وسريعة العطب. ملابسات تركيبته تثير الشكوك. في شقيها الإقليمي والسوري. إعداد معارضة بمواصفات يتطلبها الخروج بمعالجات منقوصة أو ملتوية، ينذر بأن يكون عملية مفخخة؛ في ضوء الخلافات العميقة بين المعارضين. الذين يشتكون من انقسامات المعارضة المقبولة وتعدد أطرافها، هم ساهموا في وصولها إلى ما هي عليه. وعلى الأرجح تعمّدوا ذلك، للوصول بسوريا إلى ما وصلت إليه.