لا تزال سياسات الولايات المتحدة تجاه العراق ترتبط بمدى تعزيز نفوذ الولايات المتحدة في المنطقة وحماية مصالحها دون النظر والاهتمام بمصالح العراق، فهي تعتمد على التقسيمات الطائفية والعرقية، التي لم تكن موجودة من قبل، وبالتالي اللجوء إلى النزعة التجريبية، مع إعطاء صورة عدم التدخل، أو اتخاذ موقف المتفرج بضمان بالمقابل فرض صفقاتها في العراق من خلف الستار.

فبخصوص الاتفاقية الأمنية المبرمة بين العراق وأميركا يمكن للولايات المتحدة استخدام الفقرة (1،2) الواردة في هذه الاتفاقية كسلاح فعّال في إضعاف وتقويض الحكومة العراقية متى تطلب الأمر وبحسب المصالح الأميركية وتحت مبررات واهية منها خرق الديمقراطية والدستور؛ الذي أقره الشعب العراقي، كما تؤكد الفقرة الثالثة على التدخل المباشر لواشنطن في الشؤون الداخلية وتنص هذه الفقرة على دعم جهود الحكومة العراقية في سعيها لتحقيق المصالحة الوطنية رغم أن المصالحة الوطنية شأن عراقي داخلي بالدرجة الأولى ويجب أن لا يستخدم لتحقيق أغراض سياسية أو أداة ضغط سياسية على هذا الطرف أو ذاك.

كشف المكشوف

وعلى الرغم من المتابعة الدقيقة للأوضاع في العراق من قبل الولايات المتحدة ومعرفتها بكل ما يجري، إلا أنها لا تتدخل، في الظاهر، إلا في الضرورات القصوى، وغالباً ما يكون تدخلها عبر بعثة الأمم المتحدة في العراق، وبحكم معرفتها ببواطن الأمور، فهي لا تحتاج إلى أن تكون وسيطاً بين الأطراف العراقية، بل تعطي إشارات يفترض أن تفهمها الأطراف المعنية. ومن هذا المنطلق، يرى المراقبون السياسيون أن توجيه الدعوات لزيارة واشنطن إلى رئيس القائمة العراقية أياد علاوي ورئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني ورئيس مجلس النواب أسامة النجيفي، خلال زيارة رئيس الوزراء نوري المالكي، لم تكن ضمن مشروع وساطة أو تسويات، وإنما لإفهام الأخير بأن تصرفاته كزعيم أوحد مكشوفة، وأن هناك أطرافاً موازية له أو متفوقة في التأثير دولياً ومحلياً، وأن إيران لا يمكنها الآن التدخل بشكل سلبي تجاه السياسة الأميركية، خاصة مع محاولاتها الانفتاح على المجتمع الدولي وتجنب المزيد من العقوبات والمقاطعة التي تقصم ظهرها.

وقد توحي دعوة النجيفي وبارزاني وعلاوي برغبة واشنطن في الاطلاع على وجهات نظر مختلف الجهات السياسية، وهذه معروفة لديها، من خلال الاتصالات المباشرة وغير المباشرة، إلا أن الأهم من كل ذلك، استمزاج وجهات النظر بشأن الوضع المتردي في العراق، وكيفية التحرك في مواجهة خطر التنظيمات المسلحة.

تعدد اللاعبين

وكانت الرسالة الأولى للمالكي، بدعوة قادة عراقيين، هي إفهامه بأنه ليس اللاعب الأوحد في الساحة العراقية ــ السورية.

ويرى مراقبون سياسيون أن الولايات المتحدة أفهمت المالكي بأن سعيه للمكوث في الحكم غير مقبول، ولاسيما من خلال تعطيل قانون الانتخابات الذي أقر مؤخراً، وكان المالكي وائتلافه من أشد المعارضين له، ومن المتحمسين لنقضه من خلال المحكمة الاتحادية بغرض تأخير الانتخابات وإيجاد فراغ دستوري يريد القائد العام للقوات المسلحة أن يشغله بنفسه ربما إلى أجل غير محدد. ومن خلال هذه الرسالة الثانية، تراجع ائتلاف المالكي عن معارضته لنظام «سانت ليغو» في احتساب المقاعد البرلمانية الفائزة، وتراجع عن تهديداته بالطعن بالقانون، إلا من زاوية أخرى، وهي تكليف مكون آخر بالطعن، لأسباب ثانوية، ولمجرد التأخير.

صفقة جديدة

وتبقى هناك رسالة ثالثة تتمثل بمدى تمكن الأطراف الأخرى من إصلاح ما أفسدته سياسة المالكي، وهذه مرتبطة بالطلب الأميركي من الحكومة العراقية الانفتاح على بقية المكونات، للحد من نشاطات المجموعات المسلحة، من خلال توسيع المشاركة الحقيقية في الحكم، وقد أشر الجانب الأميركي هذه الأطراف، لما تملكه من رصيد شعبي، يفترض أن تقابله إجراءات من المالكي لوقف نشاطات الميليشيات المدعومة من قبله.

وبحسب مراقبين سياسيين، فإن هناك صفقة قد تمت بالفعل، تتضمن «مقايضة العراق بسوريا»، من خلال تخفيف الضغط الأميركي ــ الغربي على النظام السوري، وكبح جماح بعض الجماعات المسلحة في سوريا مقابل وقف أو تخفيف التدخل الإيراني في الشأن العراقي وكبح الميليشيات المرتبطة بإيران والمدعومة من حكومة المالكي، ما يدفع بالمقابل إلى تنسيق الجهود في مواجهة التطرف وإعادة كسب القوى المعتدلة في العراق، وهذا يعني احتمالية تخلي طهران وواشنطن عن السياسة التي ينتهجها رئيس الوزراء العراقي والبحث عن بديل مقبول محلياً وإقليمياً ودولياً.