فشل الحوار التونسي حول الشخصية المؤهلة لرئاسة الحكومة المستقلة التي اقترحتها خارطة الطريق لحل الأزمة السياسية، وكان واضحا أن الترويكا الحاكمة نسّقت جيدا في ما بين أطرافها للإطاحة بحلم المعارضة في تشكيل حكومة كفاءات مستقلة تشرف على إنهاء المسار الانتقالي وتعد للانتخابات المقبلة.
وحسب ما علمته «البيان» فإن الرئيس منصف المرزوقي كان أول من اقترح صديقه أحمد المستيري (88 عاما) لرئاسة الحكومة، و وافقه على ذلك رئيس المجلس الوطني التأسيسي مصطفى بن جعفر نظرا لصلة القرابة الدموية بينهما، وكذلك للصلة المناطقية حيث أنهما ينتميان الى بيئة أرستقراطية واحدة متجذرة في العاصمة، أما حركة النهضة فترى في المستيري العصفور النادر الذي يمكن أن يحمي رصيدها من التمكين في مؤسسات الدولة، وتحالفاتها الدولية، خصوصا وأنه عبّر في أكثر من مناسبة عن تعاطفه مع الإسلام السياسي، كما أنه لا يرتاح لمنافسها «اللدود» الباجي قائد السبسي زعيم حركة نداء تونس الذي ينتمي هو الأخر لذات البيئة المناطقية مع المستيري وبن جعفر.
حكومة موالية
أول أسباب فشل الحوار الوطني في الوصول الى التوافق حول رئيس الحكومة الجديد، هو سعي الترويكا الحاكمة لمواصلة الحكم من خلال حكومة موالية لها وأن كانت تبدو مستقلة، وقد وجد المرزوقي وبن جعفر والغنوشي في أحمد المستيري الشخص الذي يمكن التعويل عليه في هذا الإتجاه، أولا لأنه صديق الأول وقريب الثاني ومتعاطف مع الثالث، وثانيا لأنه طاعن في السن، وحالته الصحية لا تساعده على العمل لساعات طويلة ولا للسفر في داخل البلاد وخارجها، وثالثا لأنه ومنذ عقود طويلة كان بعيدا فعليا عن الحياة السياسية، وعلاقاته تكاد تكون منحصرة في بعض الأصدقاء المقربين ومن بينهم صهره أحمد نجيب الشابي زعيم الحزب الجمهوري، وزوجة ابن شقيقه الناشطة سهام بن سدرين التي لوحظ أنها باتت قريبة من حركة النهضة ومن رابطات حماية الثورة، كما إنها متهمة بأنها كانت وراء عدة إجراءات اتخذها صديقها وزير الداخلية الأسبق فرحات الراجحي الذي ينظر إليه التونسيون حاليا على أنه كان وراء اتساع دائرة الإرهاب في البلاد بسبب قراراتها التي اتخذها بعيد الاطاحة بالنظام السابق ومنها حل جهاز أمن الدولة والبوليس السياسي والتجمع الدستوري الحزب الحاكم سابقا.
وترفض حركة النهضة أن يؤول الحكم الى حكومة مستقلة فعلا، خشية أن تقوم بإعادة النظر في التعيينات التي تم إعلانها على رأس المؤسسات الحكومية وإدارات الحكم المحلي من ولايات ومعتمديات وبلديات وعمادات، وكذلك على المستوى الديبلوماسي، وهو أمر تطالب به المعارضة، التي ترى أنه لا يمكن إجراء إنتخابات حرة ونزيهة وشفافة طالما أن حركة النهضة تتحكم في مفاصل الدولة.
فشل الإخوان
سبب أخر يحول دون تشكيل حكومة مستقلة فعلا في تونس وهو الوضع الإقليمي والدولي، فحركة النهضة تخشى أن يكون ذلك طريقا نحو الإطاحة بها وبمشروع «الإخوان» في تونس بعد الإطاحة بحكم «الإخوان» ونظام محمد مرسي في مصر، وأطلق أنصار الترويكا وإعلامها على الحوار الوطني اسم الانقلاب، واعتبروا ما يجرى محاولة انقلابية ضد ما يسمونها شرعية الانتخابات وامتدادا لما جرى في مصر، وأن الرباعي الراعي للحوار يقوم بالدور الذي قام به الجيش المصري في الإطاحة بحكومة منتخبة، على حد تعبيرهم.
فتح الملفات
تخشى حكومة الترويكا من فتح ملفات الفساد الحاصل في تونس خلال العامين الماضيين، وكذلك فتح ملفات الإرهاب التي تشغل الرأي العام في البلاد خصوصا وأن المعارضة تتهم الحكومة الحالية بالتورط، سياسيا على الأقل، في جريمتي إغتيال كل من شكري بلعيد زعيم حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد ومحمد البراهمي زعيم التيار الشعبي القومي الناصري، وفي التسبب في إتساع دائرة حضور الجماعات المسلحة بالبلاد وخاصة خلال فترة رئيس الحكومة السابق حمادي الجبالي.