تسارعت المؤشرات التي بدأت تتبلور معها ملامح «جنيف2» بالصيغة الأميركية الروسية. بالأحرى بالصيغة التي تشرف موسكو على هندستها وتتعاون مع واشنطن على إخراجها. فالصورة أخذت تتضح في ضوء التحركات المكثفة التي ترافقت مع التركيز على ثلاثة أمور: الجانب الإنساني المتفاقم للأزمة السورية. ثانياً، وفاء دمشق بالتزامها الزمني لتسليم كافة منشآت تصنيع السلاح الكيماوي. ثالثاً، بروز شخصيات توحي طريقة ظهورها بوجود طبخة لتركيب فريق يمثل المعارضة في جنيف، على أن يجري تقديمه في حينه بأنه لا يوجد غيره في الميدان بعد أن رفض الآخرون أو تعذر التفاهم بينهم على تمثيل المعارضة الأوسع.
مآسي الصراع
في الأسابيع الأخيرة جرى تسليط الأضواء في واشنطن على مآسي الصراع في سوريا. من نقص فادح في الغذاء والأدوية إلى تفشي الأوبئة فضلاً عن تعاظم أزمة النزوح وأحوال اللاجئين وتزايد عدد الضحايا. مع أن التفاقم في هذه الأوضاع ليس جديداً. ربما أخذ مؤخراً انعطافاً حاداً نحو الأسوأ. مع ذلك بقيت الصرخة المتأخرة بشأنه من دون إجراءات وخطوات إغاثة عاجلة تفرضها خطورة الوضع الإنساني. فالمعونات غير متوفرة بالقدر المطلوب. والمتوفر منها متعذر وصول معظمه إلى المحتاجين. في حين ضمن الوضع الدولي وصول فريق تدمير المنشآت الكيماوية إلى مواقع عمله، لكنه لم يضمن إيصال المساعدات. وبذلك يبدو وكأن وضع الجانب المأساوي الآن تحت المجهر، له وظيفة أخرى تتمثل في استخدامه مدخلاً لجعل وقف النار أولوية ضاغطة بذاتها؛ بحيث تكون الخطوة الأولى لحلّ له طابع أمني، بحكم الضرورة التي يمليها هذا الجانب. طبعاً وقف النار ضرورة عاجلة. لكن الأهم أن يحصل في إطار صيغة سياسية مقبولة تكفل استمراره والبناء عليه للخروج من الدوامة القاتلة. ومثل هذه الصيغة غير متوفرة معطياتها حتى الآن. ومن هنا السعي لتمرير الشق الأمني، تحت غطاء من التسويغ الإنساني.
وبنفس الدرجة من الأضواء جرى التركيز أيضاً على وفاء دمشق بوعدها، في الكشف عن مواقع تصنيع السلاح الكيماوي، حتى قبل الوقت المحدد. والاستنتاج المراد هنا هو أن النظام يلتزم بوعوده الأمنية. وبالتالي يمكن الدخول معه بصيغ من هذا النوع، وبما يختصر الأزمة في مفصلها الراهن بأنها أزمة «كيماوي» وأمن. فالتنويه بما تحقق من «تقدم» في تعطيل منشآت التصنيع و«بسرعة غير مسبوقة»، حسب وصف الوزير كيري الذي أصدر بياناً في هذا الخصوص، يصبّ في تعزيز هذا التوجه.
قدري جميل
تقاطع مع ذلك وجاء في امتداده، دخول نائب رئيس الوزراء السوري قدري جميل فجأة وبصورة درامية؛ على خط جنيف من موقع معارض. لقاؤه بالأميركيين وقرار إقالته في أعقاب ذلك، بدا وكأنه سيناريو محبوك بعناية. مقابلاته يوم الخميس مع قنوات «الجزيرة» و«العربية»، من موسكو، تشي بذلك. حيث تمحور كلامه حول «وقف سفك الدماء»، باعتبار أن ذلك وحده «يعنيني ولا تعنيني الحكومة»، التي قد يتمخض عنها جنيف. يعني ذلك ضمناً، أن الحل السياسي يأتي بالدرجة الثانية. وهو طرح يستبطن الترويج لمخرج أمني ينطوي على تأجيل البت بصيغته السياسية لاسيما وأن «هناك توافقاً دولياً على عدم فرض تنحي الأسد قبل جنيف2»، على ما قال. يعني تأجيل البت بمصير النظام إلى وقت لاحق، كما تدعو موسكو التي شدّدت على ذلك اليوم بلسان رئيس وزرائها ميدفيديف. ثم جاء تأكيد السيد جميل بأنه عائد إلى دمشق، ليعزّز الاعتقاد بأن هناك أيضاً توافقاً دولياً، أي روسياً أميركياً حول تعويمه كطرف محاور في جنيف؛ وبأن قرار إعفائه من منصبه كان جزءاً من توزيع الأدوار في هذا السناريو، بحيث تكون له مصداقية كمعارض مقبول.
الوزير كيري يحمل في سلته إلى المنطقة، التي يصلها اليوم؛ هذه العناصر الثلاثة لتسويقها وجعل طريق جنيف سالكة. التعليل: أن تدمير «الكيماوي» مشجّع والوضع الإنساني المتردي ملزم وتشكيل وفد معارض ملائم، تقريباً جاهز. رسالة الوزير: أن الإدارة عازمة على المضي في هذا الاتجاه، لحسابات إقليمية ودولية. أما أن ينعقد المؤتمر ويتمخض عن مخرج ينقذ سوريا فهذا أمر مازال في باب الطموح في أحسن أحواله.