عاش العالم طوال نحو تسعة أيام تفاصيل دراما سياسية، هزّت عالم الكبار، بعد كشف وسائل الإعلام الغربية تجسس وكالة الأمن القومي الأميركي على العديد من الدول الحليفة، وعدد من الزعماء.. والأرقام تشير إلى جبل من المكالمات «المكشوفة» للآذان الاستخباراتية الأميركية.

وتفيد الأرقام الصادمة أن واشنطن نفذت نحو 125 مليار عملية تجسس على مستوى العالم في يناير من العام الحالي، وأنها تجسست على نحو ثمانية مليارات مكالمة هاتفية في المملكة العربية السعودية، ونحو 1.9 مليار عملية في مصر و1.6 مليار في الأردن و7.8 مليارات في العراق و1.73 مليار في إيران، فضلاً عن 22 مليار عملية تجسس في أفغانستان.

التلصص على المكالمات، وخاصة من قبل الأجهزة الأمنية الكبرى، أمرٌ متوقع، ولكن الصادم كان حجم الانكشاف، وانتهاك الخصوصية الشخصية، والتعدي على السيادة السياسية لدول حليفة وقادتها، ما وضع الإدارة الأميركية ورئيسها باراك أوباما في وجه مدافع الانتقاد. فإذا كان أوباما يعلم فتلك مصيبة وإن كانت الانتهاك تجري دون علم الرئيس فالمصيبة أعظم. والأكيد أنّه كان على علم، فلا يمكن لوكالة الأمن القومي أن تراقب 35 زعيماً دون علم زعيمها الذي لا بدّ أن يكون هو أيضاً تحت مجهرها وعيونها.

وحاولت الإدارة الأميركية إحداث بلبلة عبر تعويم تهمة التجسس على الكل، فاتهمت الألمان بالتجسس على أميركا، ودحرجت الكرة باتجاه الروس (الذين يحمون ويحتضنون مفجّر الفضيحة إدوارد سنودن) عبر تسريب معلومات عن تجسّسهم، وهم الذين كانوا يوماً من مبدعي الجاسوسية ويرأسهم خبير في هذا المجال، على قادة دول قمة الـ20 التي استضافتها مدينة سانت بطرسبيرغ قبل شهر ونيف.

على أي حال، أميركا، بأجهزتها الاستخبارية وليس بوكالة الأمن القومي فقط ماضية في تحدي العالم، ولن توقف عمليات التنصّت رغم إقرار البيت الأبيض بالحاجة إلى وضع قيود إضافية على عمل وكالات الاستخبارات.. والأوروبيون يسعون إلى وضع ضوابط توقف التعدي على خصوصية مواطنيهم، بمن فيهم الرؤساء، فيما الروس يراقبون من بعيد خلاف الحلفاء.. لكن الأمور قد تنزلق إلى قاع سحيق إذا تسرّبت معلومات عن تجسس الاستخبارات الأميركية على مكالمات الزعيم الصين أو اختراقها شبكة الهاتف الصينية. هي حاولت، عبر محاولة لاختراق شبكة الألياف الضوئية تحت المحيط الهادئ لكن الحلفاء اليابانيين رفضوا المساهمة في العملية التي إنْ كانت حدثت لكان العالم الآن تتلاطمه فوضى سياسية عارمة.

والأكيد، أن الإدارة الأميركية، ومن خلفها العالم بحاجة إلى أن يعرف بالضبط ما تقوم به وكالات الاستخبارات الأميركية. والأكيد، أنّ هذه الاستخبارات ستخضع لإعادة تقييم، وربّما لإعادة صياغة لمفهوم التجسس: كيف؟ وعلى من؟ وعلى ماذا؟ وما هو السقف؟.. ما سيكبح جماحها الذي انفلت عنانه قبل 12 عاماً تحت يافطة الحرب ضد الإرهاب.