«أسرى في مقابل البناء» العنوان الأصح لهذه المرحلة من مفاوضات التسوية الجارية، ففي الوقت الذي يعيش فيه الفلسطينيون فرحة إطلاق سراح الدفعة الثانية من أسرى ما قبل أوسلو، ويستعدون لمراسم استقبال، تليق بتاريخهم وتضحياتهم ومعاناتهم ومقامهم، حتى لو كان الموعد بعد منتصف الليل، تتجرع الأرض الفلسطينية حسرة الاستيطان الذي يتغول في جسدها كالسرطان في مراحله الأخيرة؛ محولًا الماضي والحاضر الظاهر والباطن، ما فوق الأرض وما تحتها إلى صورة يهودية خالصة، ُيغيّب فيها الحق الفلسطيني الشرعي، ويختفي تحت مظلة «الأمر الواقع» .
لقاء صعب
26 أسيراً كانوا على موعد مع مساء قاسٍ في ساعات متأخرة من الليل، لحظات عناق موجعة مع أهاليهم، بعد أعوام قضوها داخل معتقلات الاحتلال، فأقلهم قضى 20 عاماً، بذريعة قتلهم لـ 26 إسرائيلياً في الفترة مابين العامين 1984 و1994، في عمليات فدائية، دفاعاً عن الأرض والإنسان الفلسطيني الذي كان مهدداً، بإزالته عن الوجود في تلك الفترة العصيبة من تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. هذا المشهد يتكرر عند كل إفراج أو إطلاق سراح، بصرف النظر عن الوسيلة أو الجهة التي نالت شرف المساهمة في إطلاق سراحهم .
عيسى عبد ربه
أكثر الأسرى أقدمية هو عيسى عبد ربه «الذي سبق والتقت «البيان» بوالدته في مخيم الدهيشة قرب بيت لحم والمرض يجتاحها، وكذلك التعب شوقاً للقاء ابنها الذي نفذ عملية، قتل خلالها إسرائيليان اثنان بجوار دير كرميزان جنوبي القدس، في شهر أكتوبر من العام 1984. ومثله 25 حكاية ستعيش الحرية مجدداً بعد طول انتظار من الذين تصفهم إسرائيل «بالقتلة الملطخة أيديهم بالدماء» ، وتراهم العين الفلسطينية أبطالًا وثواراً ومناضلين من زمن البندقية الثائرة التي لا تجد اليوم لها صدى في ساحة الصراع .
استيطان
وفي موازاة ذلك تؤكد التقارير أن الحكومة الإسرائيلية ستعلن هذا الأسبوع نشر مناقصة لبناء 1700 وحدة استيطانية جديدة في مستوطنات القدس والضفة، مقابل إفراجها عن 26 أسيراً فلسطينياً، تماماً كما فعلت حين أطلقت الدفعة الأولى من الأسرى قبل أقل من ثلاثة أشهر ضمن معادلة مركبة ومختلف حولها، تدعي إسرائيل أنها اتفقت حولها مع الولايات المتحدة والسلطة عشية استئناف المفاوضات.
ملفات مفتوحة
ويرى مراقبون في حديثهم لـ«البيان» أن مرحلة أسرى مقابل البناء «ستنتهي بعد انقضاء التسع شهور إما باتفاق قد يصدم الجميع»، ربما يتم التوصل إليه بالتوافق بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني، نظراً لحاجة كل منهما لمثل هذا الاتفاق، وربما تفرضه الإدارة الأميركية على كليهما منعاً لفشل جديد قد لا يتيح لها، تصدر هذا الملف مجددا في المراحل القادمة، وإما أن تودع الأطراف جميعها طاولة المفاوضات فتكون فلسطين قد حصلت على قدامى أسراها، وإسرائيل على المزيد من المشاريع الإسرائيلية، وتبقى أبواب المستقبل مشرعة على أبواب عدة، قد يكون التصعيد أحدها ما لم يتدخل لاعبون جدد، ينجحون في ضبط ساعة التوقيت من جديد.
ثمن غال
يوضح المحلل السياسي سعيد داوود لـ«البيان» أن الثمن الذي تدفعه فلسطين مقابل هؤلاء الأبطال غال جدا في مفارقة عجيبة «فهؤلاء من ضحوا بسنين من عمرهم في ظلمات السجون بالأمس تضحي الأرض الفلسطينية بآلاف الدونمات من جسدها لصالح الاستيطان، اليوم، في سبيل حريتهم بعد أن تعذبوا سنين طويلة». البيان