مرّ أكثر من ألف يوم على ثورة 25 يناير التي غرس فيهم المصريون «الأمنيات»، لكنهم لم يحصدوا سوى الهشيم، فلم تتوقف بحار الدماء عند حد الـ28 ألف قتيل الذين سقطوا في الفترة من بدء الثورة وحتى مارس 2011، بل أضيف إلى تعداد الدماء الكثيرين، ممن راحوا ضحية حلم أن يجنوا ثمار الثورة، أو ممن راحوا ضحية للإرهاب الغاشم.
مطالب الثورة
وفي ألفِ يومٍ نشد المصريون حلم تحقق مطالب ثورتهم، إلا أنهم فوجئوا بعزفٍ مُستمرٍ على أوتار التعازي والتأبين رغم أن تهانيهم التي قدّموها عبر تنحي الرئيس الأسبق حسني مبارك ظنوا أنها سوف تتواصل بتهانٍ مُستمرة لرفعة بلد ذي تاريخ عريض وموقع جعلها محط أنظار العالم بأسره وحضارة سبعة آلاف عام.
ألفُ يومٍ مرت نشد في بدايتها المصريون حلم التغيير، فحققوه بإسقاط النظام في ثورة 25 يناير، ثم اصطدموا بمرحلة انتقالية مُثيرة للجدل قاد فيها المجلس الأعلى للقوات المسلحة إدارة مصر وسقط خلالها العديد من الضحايا، إلى أن أجريت الانتخابات الرئاسية وبدأت ملامح المُستقبل المصري تتحدد بفوز تنظيم الإخوان برئاسة مصر، عقب أن ساعده خطابه الديني في السيطرة على عقول المصريين والاستحواذ على أصواتهم.
تعهد ذلك التنظيم بـ«النهضة»، فلم ير المصريون سوى الانتكاس والتهاوي في بئرٍ سحيقٍ من الأزمات والاضطرابات، في ظل رئيس ضعيف كان قراره ينبع من داخل مكتب إرشاد الجماعة، فلم يصبح رئيساً لكل المصريين.
واكتفى بأن يكون رئيساً لتيار الإسلام السياسي فحسب، ومن ثم أضيف لتعداد الدماء بمصر المزيد، في مواجهات بين مؤيدي الرئيس الإخواني ومعارضيه، في خضم حالة استقطاب سياسي حادة، قسّمت الشارع إلى فريقين أحدهما يحمل أهداف يناير 2011 شعاراً، والآخر يحمل من أفكار القرون الوسطى ما جعله يتهاوى أمام جلال ثورة المصريين الحديثة في 30 يونيو..
ليدخل المصريون في مرحلة انتقالية جديدة، عقب موقف مشرف وتاريخي للجيش، الذي انحاز للثورة وكللها بالنجاح.. ويترأس مصر في هذه المرحلة رئيس قادم من منصة القضاء، هو رئيس مدني مؤقت لحين انتهاء الخطوات التأسيسية للدولة المصرية الجديدة.
الوضع الاقتصادي
وعلى مدار تلك التغيرات والتطورات الجذرية التي كشفت القناع عن جماعة ظلت قرابة ما يزيد على 85 عاماً، تتلاعب بعقول الشباب المصري، مُدعية أنها تنشد العودة إلى تعاليم الدين الإسلامي الحنيف الوسطي.. وجد المصريون أنفسهم أمام وضع اقتصادي صعب للغاية، ومطالب رفعوها في ثورتهم لم يتحقق منها شيء.
وبعيداً عن مُبررات الساسة والجهات الرسمية المسؤولة وتحليلاتهم للظرف الراهن عقب مرور ألف يومٍ على ثورة يناير، يبدو نبض الشارع المصري مُختلفاً على نحو ما في تحليله لتلك النتائج التي تحققت من ثورة يناير والنتائج التي لم تتحقق، إلا أن المصريين على هذا الاختلاف راحوا يؤكدون ضمنياً أن تلك المطالب التي رُفعت في يناير ما زالت حتى الآن لم تُحقق وأن الوضع الاقتصادي الذي يعد الأصعب الآن هو خير دليل على ذلك.
في البداية، يؤكد محمود فهمي، من شباب ثورة يناير، أن تلك المطالب التي رفعها المصريون منذ ألف يومٍ مضى خلال ثورة 25 من يناير، لم يتحقق منها إلى الآن أي شيء، مُعللاً ذلك بالتخبط الذي تشهده الأوساط الشعبية والقوى السياسية والثورية المختلفة التي تختلف على كل شيء، ولم تتفق على أي وسيلة عملية؛ للخروج من الأزمة الراهنة، قائلاً: «الشعب يريد دولة قانون.
وكان ذلك ضمن أبرز مطالب ثورة يناير، إلا أنه لا يحترم القانون حال تطبيقه، ويتجاوز في اليوم مئة مرة، ومن ثم فالمسؤولية في الأساس تقع على عاتق الشعب الذي لا يحترم ما ينادي به، والذي فشل كذلك في الاتفاق على مطلب واحد أو رؤية بعينها».
تحقق جزئي
بدوره، يقول محمود طه (24 عاماً): «أرى أن نسبة ما بين 10 إلى 25 في المئة فقط هي التي تحققت من مطالب ثورة يناير، وتأتي معظمها في إطار الحريات، إلا أن النسبة الأكبر تظل غير مُحققة حتى الآن؛ وذلك بسبب عدم وجود حكومات على مستوى الثورة.
فضلاً عن تخلي القوى الثورية التي قامت بتلك الثورة عن مطالبها وعن تمسكها بها إلى النهاية، وانقسامهم واختلافهم في أكثر من زاوية، بل وتنافسهم في بعض الأحيان على المناصب والكراسي والظهور الإعلامي، وهو ما جعل الثورة بلا أحد يحميها ويحمي مطالبها».
وفي الإطار ذاته، يُشير عمرو أنور (41 عاماً) إلى أن مطالب ثورة يناير لم تُحقق بالقدر الكافي، قائلاً إن «أكثر ما يقلقني هو اختفاء الحريات، وعودة قمع وزارة الداخلية مُجدداً»، موضحاً في السياق ذاته إلى أن واحداً من أبرز أسباب المشهد الحالي هو إخفاق حكومة عصام شرف التي تولت المسؤولية خلال المرحلة الانتقالية، وقت أن كان الشعب متوحداً ومتماسكاً فأوجدت الصراعات والخلافات.. فضلاً عن فشل حكومة د. هشام قنديل كذلك.
تصحيح أخطاء
تحاول حكومة الببلاوي الآن التأكيد على قيامها بالسير على طريق تصحيح أخطاء الماضي، وتحقيق العدالة الاجتماعية، إذ تؤكد في كل بادرة من أبرز الملفات التي تم إتمامها في طريق العدالة الاجتماعية، وهو الملف الخاص بالحد الأدنى للأجور، والذي تم تحديده بـ1200 جنيه، وهو قرار ثوري قوي في ظل الظروف الاقتصادية الحالية التي تشهدها مصر، ولطالما طالب به الكثيرون قبل وأثناء وبعد الثورة المصرية.
