منظوراً إليها من واشنطن، لا تبدو لقاءات باريس ولندن في اليومين الأخيرين أنها ساهمت في أكثر من ضبط أو إدارة الخلاف بين الرياض وإدارة أوباما، بشأن سوريا وإيران. لغة الشكوك والعتب الحاد، ما زالت تطغى على الردود والمداولات.

خاصة المنقولة عن الجانب السعودي. بل التي جرى التعبير عنها سعودياً بشكل مباشر أمس وفي واشنطن بالذات، على لسان الأمير تركي الفيصل الذي لم يتردد في توبيخ الإدارة الأميركية على تعاملها مع الأزمة السورية كما على احتضانها لإيران، ففي كلمته في المؤتمر السنوي لـ«مجلس العلاقات العربية ــ الأميركية» وصف أداء الإدارة الأميركية حيال الوضع في سوريا بأنه «يبعث على الأسى».

ذلك أن الرئيس أوباما تخلّى عن تعهداته والتزاماته بتراجعه عن العملية العسكرية ضد سوريا في أعقاب قضية كيماوي الغوطة، قبل شهرين. كما وصف العملية الجارية لإتلاف ترسانة الكيماوي السوري بأنها تمثيلية كان يمكن أن تكون مضحكة لو أنها ليست من النوع الغادر بشكل فاضح والمصمم ليس فقط لتوفير مخرج لتراجع السيد أوباما ولكن أيضاً لمساعدة الأسد في ذبح شعبه. كلام غير مسبوق استوقف المراقبين لناحية أنه يعكس مرارة سعودية غير مسبوقة.

وثمة من يرى فيه أبعد من ردّ فعل، ليضعه في خانة دق ناقوس الخطر ومن موقع الهجوم على تحول يهدد بتغييرات كبيرة في موازين المنطقة. خاصة وأن الأمير تركي حذّر واشنطن في كلمته من فتح الذراعين لطهران، التي قال إنه يجب تقديمها إلى المحاكمة في محكمة الجنايات الدولية بسب فظائعها في سوريا.

لا يختلف اثنان في واشنطن بأن سياسة إدارة أوباما تجاه الأزمة السورية، كانت من البداية مرتبكة. حتى مصادر الإدارة تعترف بذلك. ولو بالتلميح أو بالتسريب. تمثلت تجليات الارتباك في القفز بالموقف بين الفاتر والبارد.

بين العازم والمتراجع. تذبذب تنوعت التفسيرات بشأنه. الشق الأكبر منها عزا ذلك إلى عدم رغبة الرئيس أوباما في أي تورط عسكري، على أساس أن هذه فلسفته في السياسة الخارجية وهذا وعده بالانقلاب على مذهب بوش وحروبه. وهو، حسب هذه المدرسة، رأى في الأزمة السورية محاولة توريط جديد لأميركا.

لكن التعليل هذا يتسم بالكثير من التبسيط، في نظر أصحاب قراءة ثانية ترى أن ما بدا ارتباك حيال سوريا هو في حقيقته سياسة مدروسة تعمدت التذبذب للتمويه على الغاية المنشودة والتي تتمثل في ترك الساحة تتحول إلى مستنقع يغرق فيه غيرها. وبالذات إيران وحزب الله وإلى الحدّ الذي يرغم طهران على المجيء على طاولة تسوية مقبولة للنووي. وما يدعم هذه القراءة أن واشنطن «لم تتكبد أي خسارة قط في سوريا وها هي إيران تأتي إلى طاولة مفاوضات واعدة».

قد يكون أي من الاثنين صحيحاً. أو ربما كلاهما معاً. لكن كيفما كانت الحال فإن العزوف أو الارتباك المفتعل استنزف أغراضه. واشنطن الآن أمام معادلة متداخلة وأقرب إلى المأزق، في محاولتها لصياغة مخرج يحفظ ماء الوجه.

وبالتحديد عقد جنيف 2. فهذا مرهون بمشاركة جهات من المعارضة. لا الخلاف مع الجوار يسهل ذلك. ولا أوضاع المعارضة على الأرض.

تسليح هذه الأخيرة، من الأساس غير وارد بالنسبة للإدارة. تراجعت عنه واشنطن حتى بعد أن قررته، أكثر من مرة. والآن تقول مصادرها إن أي خطوة من هذا النوع تهدّد عملية تدمير الكيماوي الجارية. يجري الحديث أو بالأحرى يتجدّد حول تعزيز «برنامج تدريب المعارضة». خيار يقول الخبراء بأنه لا يجدي ولا بمقدوره إحداث أي تغيير الآن على الأرض.

حتى اللحظة لم تحدد الإدارة أي موعد لجنيف. ولو من باب التقدير. فقط هناك توقعات بعقده في نوفمبر. فما توسّلته للخروج من المأزق أوقعتها سياستها في مأزق الدخول إليه. ناهيك بنجاحه.