أحيت ليبيا الغارقة في انتقال فوضوي تشوبه أعمال عنف، أمس، الذكرى الثانية لسقوط نظام معمر القذافي بدون احتفالات أو حماسة كبرى، في ظل انعدام الأمن الذي يهدد الانتقال إلى الديمقراطية، فيما اكتفت الحكومة الليبية بإصدار بيان هنأت فيه الشعب بالذكرى الثانية لتحرير ليبيا، بينما دعت منظمة العفو الدولية السلطات الليبية إلى إيجاد حلول مستدامة على وجه السرعة، تضع حداً للنزوح القسري المستمر لعشرات الآلاف من التاورغاء، التي هُجّرت من ديارها إبان النزاع المسلح في عام 2011.

غياب المظاهر الاحتفالية

وخلت الشوارع في العاصمة طرابلس وباقي المدن الأخرى من أية مظاهر احتفالية، ولم يتم الإعلان عن أي برنامج احتفالات رسمي لإحياء ذكرى «تحرير البلاد» من النظام السابق، الذي اعلن في 23 أكتوبر 2011، بعد ثلاثة أيام على مقتل معمر القذافي، الذي اعتقل، ثم أعدم على أيدي ثوار، قرب سرت مسقط رأسه (وسط).

وقال عبد الهادي السلطان (41 عاماً)، عند خروجه من مسجد، بوسط طرابلس «لم يتغير شيء في ليبيا. الأمن يتدهور ووضع ليبيا لا يتحسن، إنما يتجه نحو الأسوأ بسبب الميليشيات التي تحكم فعلياً البلاد»، معلناً تذمره من انعدام الأمن في ظل سيطرة الميليشيات على مفاصل الدولة ، مشيراً إلى أن «هؤلاء عشرات الميليشيات على أسس عقائدية أو محلية أو قبلية، التي لا تهتم إلا بمصالحها الخاصة».

وهذا الوضع أثار مشاعر متناقضة لدى فتحي تربل المحامي الذي أشعل اعتقاله في 15 فبراير 2011، شرارة الانتفاضة الليبية. وقال هذا الناشط في مجال حقوق الإنسان إنه يريد النظر بإيجابية للوضع رغم المرارة السائدة، ويرى أن الفوضى هي إرث من النظام السابق الذي ترك مؤسسات منهارة.

أحزاب »كرتونية«

من جهته أرجع المحلّل السياسي محمد البوعيشي، أسباب الأوضاع المضطربة على المستويين الأمني والسياسي في ليبيا، بعد سنتين على تحريرها من حكم القذافي، إلى «وجود الأحزاب قبل صدور قانون، ينظّمها ويحدّد مستوى مشاركتها في الحياة السياسية».

وقال البوعيشي، إنه «كان من الخطأ الكبير، والفادح أن تفتح أبواب البرلمان لأحزاب كرتونية لا قاعدة شعبية لها»، مضيفاً أن هناك أحزاباً «مشكّلة من بضعة أشخاص يجمعهم ربما هدف واحد ولا قاعدة شعبية وراءهم، هم فقط يمثلون أنفسهم ولا يمثلون أحداً».

غير أن الكثير من الليبيين يخالفون هذه النظرة التشاؤمية، ويؤكدون أن البلاد تحتاج إلى مزيد من الوقت لتصبح أفضل حالاً، وقال الأستاذ الجامعي رضا بن خليفة إن «ثلاث سنوات في عمر ثورة شعبية، أطاحت نظاماً ديكتاتورياً، تربّع على البلاد طيلة أربعة عقود غير كافية لأن تحسم الأمور»، وأشار إلى أن البلاد بحاجة إلى مزيد من الوقت، كما أنها بحاجة إلى حكومة قوية قادرة على حسم الأمور، وعدم التساهل مع الخارجين عن القانون.

جدل حول البرلمان

على المستوى التشريعي، رأى مراقبون أن البرلمان الليبي الذي انتُخب في أول عملية ديمقراطية في ليبيا، أشاد بها العالم، تحوّل هو الآخر إلى نقطة جدل وخلافات ومكان للاعتصامات، وعرضة للاقتحام بين حين وآخر. ويشعر أعضاء البرلمان بالانزعاج من هذه الأوضاع، غير أنهم غير قادرين على التأثير في مسار الأحداث السياسية في البلاد، بعد انقسامهم بين كتل وتحالفات ومستقلين، لكل منهم رأيه المختلف عن الآخر، ما دفع عدداً منهم إلى تقديم استقالته، فيما يغيب البعض الآخر بشكل متعمّد عن حضور الجلسات، ما أثّر سلباً في أداء البرلمان وتصويته على القوانين أو القرارات.

عائلات مهجرة

إلى ذلك، ذكرت منظمة العفو الدولية أمس أن «سكان تاورغاء ، المدينة التي استخدمت قاعدة للقوات الموالية للقذافي خلال النزاع في 2011، طردوا من منازلهم وأن الثوار السابقين في مصراتة يمنعونهم من العودة إليها». وفي تقريرها أشارت منظمة العفو إلى «تمييز مستمر وعمليات خطف واعتقال تعسفي بحق سكان تاورغاء الذين لا يزالون يواجهون تهديدات وهجمات انتقامية من جانب ميليشيات، تتصرف وكأنها فوق القانون »، داعية السلطات الليبية إلى إيجاد حل دائم بشكل سريع لوقف النزوح القسري لعشرات آلاف من سكان تاورغاء، ومجموعات أخرى من مدنهم التي يتحدرون منها خلال النزاع المسلح في 2011.

 

الجزائر توقف التنسيق الأمني مع طرابلس

قررت السلطات الجزائرية وقف التنسيق الأمني مع ليبيا لمراقبة الحدود البالغ طولها حوالي ألف كيلومتر، لعدم سيطرة الحكومة المركزية في طرابلس على هذه الحدود بعد أنباء عن سيطرة 14 فصيلًا مسلحاً على أجزاء مهمة من الحدود البرية بين البلدين. وأكدت صحيفة «الخبر» الجزائرية ان «قيادة الجيش الجزائري أمرت الوحدات الميدانية (...) الموجودة على طول الحدود مع ليبيا، بعدم التعاون أو تبادل المعلومات أو التنسيق الأمني مع كل وحدة عسكرية غير نظامية موجودة على الحدود، بعد سيطرة فصائل وكتائب مسلحة أغلبها غير نظامي على مناطق واسعة من الحدود البرية بين الجزائر وليبيا».

سيطرة ميليشيات

وأوضحت الصحيفة استناداً الى تقارير امنية جزائرية ان « كتائب ليبية سلفية متشددة تسيطر على الحدود البرية بين الجزائر وليبيا»، وأضافت «أن 14 فصيلًا مسلحاً يسيطر على أجزاء مهمة من الحدود البرية بين الجزائر وليبيا وان اغلب هذه الفصائل لا تخضع للسلطة المركزية في طرابلس».

ومن جهتها تحدثت صحيفة «الوطن» الجزائرية عن انتشار كبير لوحدات الجيش الجزائري على الحدود الشرقية مع تونس وليبيا، بسبب الاضطرابات المتكررة في الجهة الأخرى من الحدود. وذكرت الصحيفة ان «20 ألف جندي ينتشرون على طول الحدود الشرقية (تونس) والجنوبية الشرقية (ليبيا) يقومون ليل نهار بعمليات تمشيط مدعومين بالقوات الجوية»، فيما اشارت الصحيفة الى وقف التنسيق الأمني مع «جنود لا يلبسون نفس الزي الرسمي للجيش النظامي».

تحذيرات الجزائر

وكثيراً ما حذرت الجزائر من تهريب الأسلحة بشكل كبير من ليبيا، منذ بداية الاضطرابات التي أدت إلى الإطاحة بالعقيد معمر القذافي قبل أكثر من سنة. وضاعفت الجزائر من نشر قواتها على الحدود مع ليبيا منذ الهجوم على المجمع الغازي في تيقنتورين في ينايرالماضي والذي اسفر عن مقتل جزائري واحد و37 اجنبياً.

وكان رئيس الوزراء الجزائري عبد المالك سلال اعلن ان الاسلاميين المسلحين الذين نفذوا الهجوم دخلوا الجزائر من ليبيا. وبالاضافة الى الميليشيات السلفية تسيطر بعض قبائل الطوارق الليبية على اجزاء من الحدود بين البلدين. وسبق ان طالب اعيان طوارق الجزائر من الجيش السماح لهم بالمساعدة في تأمين الحدود حتى لا يتكرر هجوم تيقنتورين.

 

عدالة

أجّلت محكمة أميركية محاكمة أبو أنس الليبي المشتبه بانتمائه إلى تنظيم القاعدة إلى الثاني عشر من ديسمبر المقبل بعدما طلب محاميه مهلة ستة أشهر لدراسة أوراق قضيته. وخلال المحاكمة أصر المحامي برنارد كليمان على هذه المهلة لإعداد دفاعه عن أبو أنس الليبي المتهم بتدبير تفجيري السفارتين الأميركيتين في تنزانيا وكينيا.

وكان كليمان قد قال بوقت سابق إن موكله -الذي تتهمه واشنطن بالضلوع في هجمات على سفاراتها في شرق أفريقيا عام 1998- في صحة جيدة إلا أنه يشعر بالغضب للطريقة التي أسر بها. وأكد كليمان أن المشتبه فيه المصاب بمرض التهاب الكبد الفيروسي قد بدأ إضرابا احتجاجا على اعتقاله، وقال في جلسة استماع في محكمة اتحادية بمنطقة مانهاتن بنيويورك «إنه (أبو أنس الليبي) منزعج من القبض عليه وتعصيب عينيه أمام منزله وتحت تهديد السلاح».

وكان أبو أنس قد اعتقل في الخامس من أكتوبر الجاري أمام منزله في طرابلس في ليبيا ونقل إلى سفينة حربية أميركية في البحر الأبيض المتوسط وتم استجوابه. نيويورك-الوكالات