أن ترفض دولة عضوية مجلس الأمن، أمر نادر. مع ذلك كان يمكن، لو حصل، أن لا يكون أكثر من خبر عادي. لكن رفض الرياض لاختيارها عضواً في المجلس لمدة سنتين لم يمر بشكل عابر.

أثار القرار السعودي الكثير من التساؤلات والتأويل والدهشة. لاسيما وأن المملكة، كما تردّد في واشنطن، قد سعت إلى هذا المقعد. وزاد من الاستغراب أن تخليها عنه «لا ينسجم مع نموذج دبلوماسيتها» البراغماتية، التي اعتادت العمل بقاعدة مدّ الجسور؛ كما قال خبير مطلع لـ«البيان».

ثم إن مجلس الأمن، يبقى المؤسسة الوحيدة الموجودة في الساحة، للتعاطي مع المشكلات والنزاعات الدولية. خاصة في منطقتنا، بالرغم من وجاهة الاعتراض على شلله وقصوره وتسخيره لصالح دول الفيتو. ثم إن الابتعاد عن المجلس وعدم المشاركة في أعماله من الداخل، «لا يساهم في تقويم اعوجاج دوره».

من هنا رأى المتابعون أن هناك حيثيات أخرى لموقف المملكة، أبعد من التعبير عن الخيبة من المجلس. وفي هذا الصدد تقاطعت معظم التحليلات والتفسيرات، عند قراءة الخطوة السعودية غير المتوقعة ولا المألوفة؛ على أنها جاءت كرسالة؛ في سياق اعتراضي علني بدأ قبل ثلاثة أسابيع بامتناع السعودية عن إلقاء كلمتها في الجمعية العامة. والرسالة موجهة، عبر الأمم المتحدة إلى واشنطن بسبب انكفائها إزاء الأزمة السورية وتوجهها لعقد صفقة «ربما تكون أبعد من نووية» مع إيران.

حسب ما يقال «طفح كيل الرياض» مع إدارة باراك أوباما، بخصوص التماهي الذي تبديه مع الموقف الروسي تجاه سوريا. تبدّى ذلك في الموافقة على الصيغة التي أرادتها موسكو لقرار إتلاف «الكيماوي». كما تبدّى في عدم الممانعة على مساهمة طهران في جنيف 2. بل يبدو أن الإدارة الأميركية وافقت مع موسكو على مثل هذه المشاركة. الخارجية الأميركية قالتها ولو بصورة مواربة. تقول إن المقياس في هذا الأمر هو بيان جنيف الأول.

«فأي بلد يدعم أهدافه يمكن أن ينظر في أمر مشاركته. طهران حتى الآن لم تفعل. عندما تفعل نرى. حتى الآن لم نقرر»، قالت الناطقة الرسمية في الخارجية في ردها على سؤال «البيان» ثم سئلت: «هل أنتم على توافق مع السعودية حول اعتماد هذه القاعدة؟»، كان جوابها: «عليك أن تسألهم عما إذا كانوا يوافقون على ما قلته».

تراجع أميركي

الجواب يعكس بلا لبس تراجع واشنطن عن رفضها لمشاركة إيران في المؤتمر. كما أنه لا يترك مجالاً للشك حول ارتفاع منسوب التوتر بين الرياض وواشنطن «إلى درجة غير مسبوقة». خاصة وأن مشاركة طهران في تركيبة جنيف 2 الذي تشير التوقعات إلى انعقاده في منتصف نوفمبر المقبل، تبدو مرتبطة بالحلحلة التي يتحدث عنها الأميركيون بتفاؤل غير مسبوق، في الملف النووي الإيراني. وكأن في الأمر صفقة متعددة الجوانب: تدمير الكيماوي السوري ثمنه جنيف 2 بحضور إيراني وصياغة معادلة سورية بمواصفات روسية؛ تسير بموازاتها مفاوضات «واعدة» مع إيران حول النووي وثمنه.

واللافت مؤخراً أن هناك تسريبات وتلميحات متداولة حول البدء بتفكيك العقوبات الإيرانية. ولو بصور رمزية، مثل الإفراج عن بعض الأموال المجمدة لطهران. قد يكون ذلك من باب جسّ النبض، حتى إذا ما قطعت المفاوضات مسافة مقبولة، تكون الأجواء قد تهيأت لخطوات «متقابلة».

جفاء

ليس صدفة أن يأتي هذا التطور الدبلوماسي وما ينطوي عليه من جفاء في العلاقة السعودية الأميركية، في وقت يتزايد فيه الكلام الأميركي عن « انكماش» أهمية المنطقة بالنسبة لواشنطن. ترافق ذلك مع تنامي الحديث أيضاً عن « الانعزالية» المتنامية في أميركا والجنوح القوي للابتعاد عن مشكلات العالم ما خلا تلك التي للولايات المتحدة « مصلحة حيوية مباشرة فيها »، وكثيراً ما يشار في هذا الصدد، إلى المعارضة الكاسحة التي أبداها الأميركيون مؤخراً لأي عمل عسكري في سوريا.

وإذ يعزو المراقبون أجواء «الاستقالة» (أي الانكفاء الأميركي) هذه بالدرجة الأولى إلى «التعب من الحروب» وبخاصة تجربة حروب العقد الماضي وما ترتب عليها من كلفة بشرية ومالية عالية؛ إلاّ أنهم لا يفصلون هذا الانعزال عن صعوبة الأوضاع الأميركية الراهنة، كما عن عزم أوباما على المراهنة على الحوار والتسويات وليس على الحضور الأمني الخارجي، خاصة في الشرق الأوسط الذي يشهد معادلة جديدة قيد الصيرورة.

 

بطرس غالي يثني

أثنى الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة الدكتور بطرس بطرس غالي على موقف المملكة العربية السعودية بالاعتذار عن قبول العضوية غير الدائمة لمجلس الأمن إلا بعد إصلاحه.

وقال غالي في تصريح صحافي أمس إن موقف المملكة خطوة إيجابية على طريق التفكير في إصلاح الأمم المتحدة، بعد انتهاء فترة الحرب الباردة أواخر القرن الماضي. ورأى غالي أن إصلاح الأمم المتحدة يتطلب تمثيل الهيئات غير الحكومية في عضوية الجمعية العامة للأمم المتحدة، حتى يتحقق الحد الأدنى من ديمقراطية العلاقات الدولية. القاهرة- واس