يمكن أن يتحوّل بعد غد الأربعاء، إلى «يوم غضب» في تونس كما يمكن أن يكون منطلقا لـ «التوافق الوطني»، إذ سيكون التونسيون أمام تحدّ كبير بمناسبة مرور عامين على انتخابات المجلس الوطني التأسيسي الذي وصل بـ «الترويكا» الحالية إلى الحكم، في إطار اتفاق بأن لا يتجاوز عمر المجلس عاماً واحداً يتم خلاله وضع الدستور الجديد للبلاد، وأن تقوم الحكومة بالإشراف على فترة انتقالية تجري بعدها انتخابات رئاسية وبرلمانية في العام 2012، ولكن مرّ عامان ولم ينته المجلس من وضع الدستور ولم تنتظم الانتخابات رغم الإعلان عن أكثر من 25 موعدا لها ذهبت جميعها في مهب الريح.
واليوم وتونس على أبواب الذكرى الثانية لأول انتخابات جرت بعد الإطاحة بنظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، ترتفع أصوات المعارضة الداعية إلى يوم غضب هدفه إسقاط الحكومة في حين يحاول وسطاء الحوار الوطني وبعض الفرقاء السياسيين البحث عن مخرج من الوضع المتأزم بالإعلان عن بدء فعاليات الحوار الوطني، وتجاوز العقبات التي يعاني منها منذ انطلاق جلساته التحضيرية قبل أسبوعين.
دعوة شارع
وعبّرت الهيئة السياسية لجبهة الإنقاذ الوطني عن «رفضها لأسلوب المماطلة وإضاعة الوقت، ممّا يعمّق الأزمة ويفاقم انعكاساتها على حياة الشعب»، مطالبة الرباعي الراعي للحوار تحمّل مسؤولياته في تنفيذ المبادرة التي تقدّم بها، داعية كل التّونسيات والتّونسيين في مختلف مناطق البلاد لاسيّما في العاصمة إلى التعبئة الجماهيرية الأربعاء المقبل لتأكيد رفض التونسيين استمرار الأزمة على حسابهم والتسريع في تنفيذ مبادرة الرباعي لتسوية الأزمة السياسية وعلى رأسها استقالة الحكومة، وتعيين حكومة كفاءات وطنيّة مستقلّة لإنقاذ البلاد وتوفير المناخ المناسب لتنظيم انتخابات حرّة وديمقراطيّة وشفافة. وكانت جبهة الإنقاذ حددت أول من أمس موعدا لبدء الحوار الوطني غير أن ذلك لم يتحقّق.
ووجّه حمة الهمامي القيادي في جبهة الإنقاذ والناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية وزعيم حزب العمال دعوة إلى المشاركة بأعداد كبيرة الأربعاء المقبل لتجديد المطالبة بإسقاط الحكومة الحالية، وهو ذات ما نادى به زياد الأخضر الأمين العام لحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد ، ونائبه محمد جمّور، بينما دعت المنظمات الشبابية الثورية إلى احتلال الشوارع والساحات بالعاصمة وداخل البلاد بمناسبة مرور عامين على الانتخابات.
بين خيارين
وأكّدت مية الجريبي الأمينة العامة للحزب الجمهوري أن جبهة الإنقاذ ستلغي «مليونية الغضب» التي دعت إليها يوم 23 أكتوبر لإسقاط الحكومة إن استجابات حركة النهضة للمطالب. وقالت مية الجريبي إنّ «الحركة تماطل من أجل إطالة أمد الحوار الوطني»، مضيفة:
«يوم 23 أكتوبر يمكن أن يكون يوما للوفاق الوطني لا يوما للغضب الشعبي»، مطالبة بضرورة استقالة الحكومة فوراً كأحد أهم شروط إلغاء احتجاجات 23 أكتوبر وانطلاق جلسات الحوار الوطني، مؤكدة أنّ «يوم 23 أكتوبر هو تاريخ انتهاء الشرعية للحكومة الحالية، ويوم التجمّع بالشارع مع كل الشرائح الاجتماعية للمطالبة بتنفيذ البند الأساسي في مبادرة الرباعي ألا وهو رحيل الحكومة».
ويأتي هذا الموقف وفق مراقبين معبّراً عن توجّه عام لدى المعارضة المنخرطة في «جبهة الإنقاذ» بالضغط على حكومة «الترويكا» وزعيمتها حركة النهضة التي يتهمها خصومها السياسيون بالتمسّك بالحكم وعدم الجدية في التجاوب مع جوهر مبادرة الحوار الوطني المتمثل في استقالة الحكومة.
خصوصا بعد أن أكد علي العريض يوم 13 أكتوبر الجاري أنّ حكومته لن تستقيل إلّا إذا توفّرت شروط معينة وهي: الانتهاء رسميًا من وضع الدستور وتشكيل الهيئة المستقلة للانتخابات والقانون الانتخابي وتحديد موعد الانتخابات القادمة.
بدء حوار
في هذه الأثناء، يواصل حسين العباسي الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل إجراء اتصالات برؤساء الأحزاب المشاركة في الحوار الوطني للبحث في ضرورة الانطلاق فعليا في الحوار الوطني.
وقال بوعلي المباركي الأمين العام المساعد للاتحاد، أنّ «الرباعي الراعي للحوار الوطني كلّف العباسي لقاء رؤساء الأحزاب لتذليل الصعوبات التي رافقت الجلسات الترتيبية للحوار الوطني»، فيما بيّن هشام حسني عضو المجلس الوطني التأسيسي المنسحب، أنّ «الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل اتصل برؤساء الأحزاب فرادى لبحث مهام اللجان الثلاث التي تم التوافق حولها، في إشارة إلى لجنة المسار الحكومي ولجنة المسار الانتخابي ولجنة المسار الدستوري، مؤكّدا أنّه «وحتى الآن لم يتم التوافق حول مهام هذه اللجان خاصا بالذكر لجنة المسار الحكومي»، مرجّحا انطلاق الحوار الوطني فعليا الثلاثاء، بما يعني استباق تحركات الأربعاء الاحتجاجية.
شتاء ساخن
ويبدو أن «شتاء تونس» سيكون ساخنا رغم أن الصيف لم يكن باردا على ما يرى متابعون، فالأزمة السياسية تتفاقم يوما بعد آخر، وكل المؤشرات تؤكد أنّ «الترويكا» متمسكة بالحكم لأسباب عدة أحدها ما أشار إليه أحمد نجيب الشابي زعيم الحزب الجمهوري وهو رغبة حركة النهضة في الحصول على ضمانات..
بينما يرى المراقبون أنّ الحركة لن تتنازل بسهولة عن الحكم لحكومة مستقلة قد تنقلب نهائيا على أشواط كبيرة قطعها الإسلاميون في التغلغل في مفاصل الدولة، بينما تعلن «جبهة الإنقاذ» بوضوح أنّ أي حكومة مستقلة إنما سيكون دورها الأول تهيئة المناخ اللازم لانتخابات حرة ونزيهة وشفافة، وهو ما يتطلب حسب حمة الهمامي إعادة النظر في التعيينات الحاصلة في مستوى الإدارة المركزية والحكم المحلي والسفارات والقنصليات وأجهزة الدولة.
استمرار توتّر
وفي حال تجاوز عقبة الأربعاء القادم بسلام، فإن ذلك لا يعني نهاية التوّتر والتهديد بالتصعيد الشعبي وفق مراقبين، إذ إنّ أغلب انتفاضات التونسيين كانت تحدث شتاء، ويبدو الوضع مهيأ لفصل جديد من الحراك الشعبي مع إطلالة الذكرى الثالثة لانطلاق الاحتجاجات ضد النظام السابق في منتصف ديسمبر المقبل، وهو ما تهيء له المعارضة الراديكالية عبر الحراك الطلابي الذي سيزيد من حجم الضغوط على الحكومة إلى أن تستقيل، لاسيّما مع تزايد نسق الإرهاب وتراجع مستوى معيشة التونسيين.
