كان السوريون يُمنون النفس أن يكون قدوم عيد الأضحى بمثابة فاتحة لوقف النزيف الدموي الذي يُخيّم على البلاد منذ عامين ونيف، وأن تكون الفصائل المعارضة العسكرية على قدم وساق في خندق واحد ضد النظام بمنأى عن الاقتتال والتناحر العميق في المناطق التي خرجت من تحت سيطرة القوات النظامية.

لكن هذا الأمر بقي في طيف الأمنيات والأحلام بخلاف الواقع الذي يشهد مصادمات بين التيار المتطرف المتمثل في الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش»، الساعية إلى ابتلاع وسحق الفصائل الثورية لفرض حدود دولتها المنشودة، والفصائل الثورية.

قصة فرار

ويروي خالد، الذي كان يعمل في المجلس المحلي، سبب رحلته الشاقة إلى تركيا مع عائلته، بعدما ترك مدينة إعزاز المحررة في شمال حلب. ويأسف لما آلت إليه الأمور في مدينته عندما أحكمت «داعش» سيطرتها عليها بعد طرد مقاتلي لواء عاصفة الشمال، قائلاً: «كنت أتمنى أن أستيقظ صباح عيد الأضحى وأتوجه مع أعضاء المجلس المحلي إلى مقبرة الشهداء الذين سقطوا في المواجهات مع القوات النظامية، لكن سيطرة داعش على مفاصل المدينة وملاحقة جميع أعضاء المجلس المحلي حال دون ذلك، فنحن جمعينا هربنا بجلدنا نحو تركيا. حرمنا من تأدية واجب العزاء للشهداء وتأدية مهامنا الخدمية في أول مدينة تحررت من براثن النظام».

وفتح الاقتتال الدائر بين فصائل المعارضة جرحاً عميقاً في نفوس السوريين. فالاعتقاد الذي كان سائداً في المناطق المحررة بوجود الفصائل المتطرفة والسلفية والمعتدلة في صفوف المعارضة، ستجعل الخيارات مفتوحة أمامهم لدك القوات النظامية على أصعدة عدة، بيد أن تلك التعددية العسكرية باتت مرضاً ينخر جسد القوى الثورية الملتزمة بالمشروع الوطني والداعمة لتأسيس الدولة المدنية بعدما كشفت «داعش» وأخواتها نواياها في تطويب العباد والبلاد في البوتقة المتطرفة.

تطرف مقيت

ويقول أبو جلال، الذي يعيش في حي الهلك المحرر في مدينة حلب: «اليوم وبسبب علبة الدخان أو حمل آلة موسيقية أو ارتداء ملابس من نوع ما يخالف قياس الشرع قد تكون مشروع معتقل لدى داعش»، على حد وصفه. ويضيف أن «هذه المواجهات العبثية الدائرة بين داعش والفصائل المعارضة المسلحة كلفت أثماناً باهظاً من تبديد الطاقة البشرية وخسائر في الأرواح والعتاد، لو تمت ترجمتها في مواجهة النظام، لتحررت حلب برمتها من قبضة النظام، بدلاً من الصراخ من أن ريف حلب الجنوبي بات قاب قوسين أو أدنى من إحكام القوات النظامية عليه».

ويقول أحمد حاج عبد القادر المتحدر من مدينة الرقة المحررة إنه سجن على يد النظام خمسة أعوام متواصلة، لكن المرارة والألم اللذين ذاقهما على يد «داعش» في سجن مبنى المحافظة في الرقة حضاه على انتقاد التنظيم المتطرف بشدة. ويؤكد: «هؤلاء حرفوا الثورة عن مسارها تماماً، وقضوا على كل صوت مخالف لهم».

مسؤولية مشتركة

ويعتقد الحاج عبد القادر أن الكتائب المنضوية تحت راية الجيش الحر وتلك الفصائل الإسلامية التي هي على خلاف مع «داعش» تتحمل جزءاً من المسؤولية لما بلغت إليه الأوضاع في المناطق المحررة، مشيراً إلى أن الاقتتال البيني جعل النظام يستثمر في الخلافات أحسن استغلال لتحقيق نجاحات على الصعيد السياسي والعسكري. وأردف: «المدنيون وحدهم يدفعون فاتورة العوالق والطحالب الجديدة على الثورة، والنظام بدأ يلتقط أنفاسه قليلاً بعدما كان على حافة الهاوية».

تنافر

شكّلت الممارسات والسلوكيات العنفية والاقتتال بين الفصائل العسكرية على الأرض بدافع توسيع النفوذ، حالة من التنافر مع بنية المجتمع في المناطق المحررة، مضافاً إليه انتشار ظاهرة الفساد والسرقة والقتل من دون وجود الضوابط والقواعد القانونية. البيان