من القسوة أن تسأل سورياً اليوم عن العيد. قسوة تصل حد اللاإنسانية لا بد أن تضطر معها إلى الاعتذار مراراً.
«ليتني ما سألته عن العيد»، تقول لنفسك. تسمع كلمة «ربي يسامحك ليش سألتني .. خليتني أبكي»، تكاد تعتذر من شيء ما، تدركه ولا تدركه. لكنك تصرّ على أن البوح أصحّ للقلب وللنفس وللعافية. تقول له: قل أي شيء. فيجيبك: «أنت لا تعرف ماذا يعني العيد بعيداً عن سوريا». تكذب وأنت تقول له: «أعرف أعرف».
قصص حزينة
اللاجئون السوريون في الأردن كما أبناء وطنهم في الداخل والخارج، باتوا يحملون من القصص الحزينة التي لا تطيق صدورهم الهشة أن تحملها.
تحاول أن تسلي عنه. تقول له شيئاً تظن أنه سيضحكه.. فجأة تخترق ابتسامته الدمع، في مزج مستحيل. أنت ترى الدمعة ولا تشعر بحرّها. تعترف لنفسك: «لن يكون من السهل سؤال سوري اليوم عن العيد». فهو يبدأ بـ الـ «آه»، ولا ينتهي إلا وقد فجّر فيه السؤال ألف دمعة ودمعة.
يقول أحد اللاجئين السوريين، وهو يصف العيد: «تعال انظر حالنا». هو يشير إلى عيد الأضحى الذي لم يكن سعيداً عند السوريين. ويضيف: كيف لا وقد ذهبت الفرحة «ولمة الأقارب والمعايدات والفرح في قلوب الأولاد الصغار».
ثم يشير إلى أن الوضع الطبيعي عند السوريين اليوم زيارة أمّ لقبر ابنها الشهيد، ودموع طفل ينتظر أن يدخل عليه أباه عليه حاملاً له حلوى العيد.. وعروس ترمّلت وقد خطف الموت عريسها من بيتها وهي لا تزال تلبس طرحتها البيضاء».
أشواق وحنين
مهجّرون ومغتربون يحملون صفة لاجئين أثقلتهم الأشواق والحنين وذكريات تملأ قلوبهم بالغصة، نازحون في وطن أهلكهم الجوع والبرد والأمراض.
لاجئ سوري آخر يدعى أحمد بلو، لم يجب عن أي من أسئلتنا. اكتفى هو بقول ما يريد، بادئاً بسرد حكاية عن السوري المطلوب منه أن يفرح في العيد:
- رجل سوري قتل غيلة ووضعت جثته على رؤوس الجبال لا يجرؤ أحد على التقدم لدفن جثمانه.
- سيدة سورية لم تستفق على صوت زوجها يريدها أن تستيقظ لتصلي الفجر، بل على برميل متفجر أخذ معه كل شيء. وهنا كل شيء تعني الزوج والأولاد والمنزل والذكريات. تاركاً وراءه شيئاً واحداً فقط. الألم. - طفل سوري قتل أباه وأمه أمام عينيه.. في الحقيقة لم يقتلا بل عذبا بعد أن اغتصبت أمه وهتك عرض أبيه.
- وعجوز طاعنة في السن لم تمت حتى الآن، لكنها تموت كل يوم ألف مرة.
قال اللاجئ السوري ذلك، ومضى إلى حال سبيله، وكأنه لم يكن يتحدث معنا، وكأننا لم نكن قد سألناه شيئاً.
سؤال تقليدي
بينما رفضت سيدة سورية تجاوز عمرها الخمسين عاما في البداية الإجابة عن سؤال حول العيد، بل واعتبرته تقليدياً، بعد أن مضى على السوريين ستة أعياد حزينة.
ولدى حديثنا معها كانت تقول: «لم يشعر السوريون ببهجة العيد هذا العام، فكل أسرة فيها معتقل أو شهيد أو، مهجر أو معاق، لكنهم أبوا إلا أن يشعر أطفالهم بتلك البهجة حتى ولو كانت مصطنعة». وتضيف، أن «معظم الناس يتصرفون كما الأعياد السابقة حتى مع اللجوء». لكنها تشير إلى «بروز الطابع الروحي للعيد أكثر من ذي قبل».
وتتابع: «نظراً لسوء الأوضاع المادية هناك تركيز كبير على المعنويات والروحانيات».
لوعة
في خارج سوريا، الأردن مثلاً، تعج الأسواق بالسوريين، كما الأردنيين، والأمور تبدو وكأنها طبيعية، لكنها ليست كذلك.
السوري اليوم حزين، يلتاع على الحارة والحي والمدينة، والبلد بأكملها. السوري اليوم لا يضحك في العيد مثلنا. البيان