وقف نحو مليوني حاج على صعيد عرفات الطاهر أمس، بعد صعودهم إليه في ساعة مبكّرة عقب صلاة الفجر، وأدوا الركن الأعظم من مناسك الحج في مشهد إيماني مهيب وسط احتياطات أمنية مشددة وسط ازدحام، واستمعوا إلى خطبة يوم عرفة في مسجد نمرة قبل أن ينزلوا منه في اتجاه مزدلفة، إذ باتوا ليلتهم استعداداً ليوم حافل بالعبادات.
وحضّ مفتي عام المملكة العربية السعودية الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ المسلمين على أن يكونوا صادقين، وحذر من مخطط «أعداء الإسلام» لتقسيم الأمة، داعياً الجميع إلى ضرورة الاستفاقة من الغفلة واستعادة الوحدة، محذّراً من «قوى شريرة» تريد ضرب الأمة الإسلامية.
لبيك اللهم لبيك
وارتفعت أصوات الحشود التي غطى لون ملابس إحرامها الأبيض للرجال الشعاب والساحات في عرفات مرددة التلبية: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك».
وكان ضيوف الرحمن مفعمين بأجواء إيمانية يغمرها الخشوع والسكينة، تحفهم العناية الإلهية، صعدوا إلى عرفات ملبّين مكبّرين ومتضرعين إلى الله أن يمن عليهم بالعفو والمغفرة، فصلوا في مسجد نمرة الظهر والعصر قصراً وجمعاً بأذان وإقامتين.
واستقرت جموع حجاج بيت الله الحرام على صعيد عرفات ليؤدوا الركن الأعظم من مناسك الحج ويشهدوا الوقفة الكبرى في مشهد إيماني مفعم بالخشوع والسكينة ملبين متضرعين، داعين الله عز وجل أن يمن عليهم بالعفو والمغفرة والرحمة والعتق من النار.
نصائح وتوجيهات المفتي
وأدى اكثر من مليوني حاج صلاتي الظهر والعصر جمع تقديم في مسجد نمرة، كما فعل ذلك النبي محمد قبيل 1400 عام في حجة الوداع، حيث دعا مفتي عام المملكة العربية السعودية الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ. المسلمين إلى توحيد الله في العبادة، مطالباً الحجاج بأن يكونوا يداً واحدة.
وأشار آل الشيخ في خطبته في مسجد نمرة (غرب مشعر عرفات)، الذي اكتسى حلة بيضاء كأنه قطعة إحرام منسوجة في رداء واحد بالتصاق والتئام ضيوف الرحمن بعضهم ببعض، إلى أنّ «الحج عبادة فريدة تجمع ملايين البشر، وهذا التجمّع فيه روح الإيمان العظيم وفيه اجتماع الأمة وائتلافها، وفيه تظهر أخلاقها وقيمها قيم التسامح والإخاء والعدل والأخوة والمحبة والقناعة والبساطة».
مشدّداً على ضرورة أن تكون «الدعوة لله ورسوله دعوة خالصة للدين وليست دعوة سياسية». وطالب الحجاج بمراعاة أمن المملكة واحترام القواعد والنظام الذي وضع من أجل راحتهم، لاسيّما في ضوء التوسعات الهائلة والمباني الضخمة وما أنفق من مال وجهد الرجال والأمن وخدمات متكاملة. وقال إن الله عز وجل شرّع دين الإسلام ليكون منهج حياة للبشرية ليسير الخلق وفق أحكامه وتعليماته، فلا شأن من شؤون الدنيا إلا وللإسلام فيه حكم وبيان.
وحذّر آل الشيخ، الذي يشغل موقع رئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء، المسلمين من الطرق المحرمة كالغش والظلم والغدر وأكل أموال الناس بالباطل ونقض العهود، مشدداً على تحكيم شرع الله في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتعليمية والعلاقات الخارجية لتكون الشريعة وحدها مصدر الحكم والتحاكم.
وحذر عبدالعزيز آل الشيخ قادة العالم الإسلامي من مخطط «أعداء الإسلام» لتقسيم الأمة، داعياً الجميع إلى ضرورة الاستفاقة من الغفلة واستعادة الوحدة.
وقال مفتي عام السعودية إن الأمة الإسلامية «مستهدفة من أعداء الإسلام الذين يريدون ضرب بعضكم ببعض وتفريق صفوفكم ونشر الفوضى، وذلك لفرض السيطرة والتبعية على هذه الأمة»، داعيا المسلمين إلى «الحفاظ على أوطانهم». وحذر من انقسام الأمة الإسلامية، مؤكدا على حرمة دماء المسلمين بعضهم على بعض. وأشار إلى أن هناك «قوى شريرة»، لم يسمها، تريد «الفتك بالإنسان وتمارس القوة الظالمة لإبادة البشر لتحقيق مصالحها».
وأوضح آل الشيخ أن العالم الإسلامي «يمر بظروف حرجة تهدد وحدته، وتفرق أبناءه وتظهر تربص الأعداء به». وتابع القول: «أيتها الشعوب الإسلامية بلادكم أمانة في أعناقكم فحافظوا على أمنها ومقدراتها واعلموا أنكم مستهدفون فاحذروا مكائد من يستهدفكم واعملوا على إفشالها». وطالب علماء الأمة بأن يكون لهم «دور في توعية الأمة وإصلاح شأنها وفصل الخصام بينهم وإطفاء نار العداوة والحروب والفتن بين أبناء الأمة»، لافتاً إلى أن «قصر علماء المسلمين في هذا الدور سيتسبب في حدوث انشقاقات أكبر داخل أمة المسلمين». وقال إن «الدماء والأموال والأعراض أمانة لدى المسلم يجب احترامها وصيانتها وعدم الاعتداء عليها».
وطالب مفتي السعودية الحجاج بأن يحافظوا على بلاد الحرمين الشريفين وأمنها واستقرارها، وأن يحترموا الأنظمة ويتقيدوا بها، وقال إنّ «على الجميع التعاون مع الدولة خلال الفترة المقبلة لإنجاز التوسعة والمشروعات التي تخدم الحجاج والزوار والمعتمرين».
نجاح خطة
وبعد نحو خمس ساعات ونصف الساعة، ومع بدء الشمس في المغيب نَفَرَ الحجيج بانسيابية ودون اي مشاكل تنظيمية إلى مزدلفة، التي سينطلقون منها اليوم، أول أيام عيد الأضحى المبارك إلى وادي منى لأداء حزمة من العبادات. وشهدت الحركة المرورية لانتقال ضيوف الرحمن من منى إلى عرفات ومن عرفات إلى مزدلفة انسيابية ومرونة رغم الازدحام الشديد.
وأكّد وزير الحج بندر بن محمد حجار، نجاح خطة تصعيد حجاج بيت الله الحرام إلى عرفات وإلى منى ثم إلى عرفات.. في وقت أفاد وكيل وزارة الحج الناطق الرسمي باسمها حاتم قاضي باتفاق الوزارة مع الجهات الأمنية على إعداد خطة شاملة لتفويج الحجاج يوم النفرة، في الثاني عشر من ذي الحجة من منى إلى المسجد الحرام، لمنع حدوث تدافع بين الحجاج عند توجههم إلى الحرم لأداء طواف الوداع، خاصة مع الأعمال الجارية حاليا في مشروع توسعة المطاف.
مناسك في العيد
وبينما يحتفل المسلمون اليوم بأول أيام عيد الأضحى المبارك، يتوجه حجاج بيت الله إلى منى بعد صلاة الفجر لرمي جمرة العقبة وونحر الهدي والتقصير للتحلل الأصغر ثمّ يستمرون في رمي الجمار، قبل أن يقصدوا البيت الحرام لأداء طواف الإفاضة والتحلل من الإحرام استعداداً لمغادرة المشاعر المقدّسة.
6
يعمل مستشفى عرفات العام في البقاع المقدّسة ستة أيام فقط. وعلى بعد أمتار قليلة من جبل الرحمة، في الجهة الشرقية من صعيد عرفات، يطل مستشفى عرفات العام واقفاً بجدرانه المسلحة بالإسمنت الصلب والحديد، وفي داخله زهاء 248 موظفاً موزعين بين أطباء وممرضين وفنيين، يضاف إليهم 180 آخرين متحركين بنفس التخصصات.
والمستشفى مزود بمهبط للطائرات العمودية، وبه 300 سرير مخصصة لأقسام التنويم، و12 سريراً لقسم الطوارئ، إضافة إلى أربعة أسرة للإنعاش القلبي الرئوي، و28 سريراً للعناية المركزة (الفائقة). ويعمل المستشفى ستة أيام فقط من كل عام، تبدأ من اليوم السابع من شهر ذي الحجة وحتى اليوم الــ 12 من الشهر نفسه، قبل أن يعاود صمته لعام كامل.

