شكّل الحكم القضائي الأخير في قضية «مؤامرة الانقلاب» العسكري ضد الحكومة في تركيا، التي عرفت بـ «آرغينيكون»، التي برّأت عدداً من الجنرالات الذين طالتهم قبل نحو شهرين أحكام بالسجن، محطة جديدة في عملية شد الحبل بين العلمانية، التي لا تزال متغلغلة جذورها في الجيش والقضاء وبين حزب العدالة والتنمية والفكر الأردوغاني.
وهناك العديد من العوامل التي تكسب هذه القرارات المزيد من الأهمية المفصلية:
سرعة نقض الأحكام التي صدرت بعد ما يربو على عقد من التحقيقات والمداولات في أروقة المحاكم.
صدور الأحكام الجديدة بالتزامن مع بدء تنفيذ رفع الحظر عن الحجاب في المدارس ومؤسسات الدولة، بعد حظر دام نحو 90 يوماً.
موجة القلاقل التي تعتمل في مناطق مختلفة في تركيا، التي تقض مضجع رئيس الوزراء رجب طيّب أردوغان، الذي يعيش هاجس انقلاب العسكر والتحوّلات الإقليمية والدولية في أكثر من ملف.
فأردوغان وحكومته ذات التوجهات الإسلامية التي باشرت سلسلة إجراءات لتحجيم دور الجيش واعتقال رموزه، تواجه حالة من عدم الارتياح من قبل كوادر المؤسسة العسكرية، الذي «انحنوا» لرياح التغيير الحاصلة، ولكن، إلى متى؟
هذا السخط سيبقى، وهذا ما يقلق حكومة أردوغان، التي يتوقّع كثير من المراقبين أن تشهد خريفاً ساخناً مع تضعضع القوى السياسية في عدد من دول الربيع العربي التي كانت تلقى الدعم من حكومة العدالة والتنمية.
فضلاً عن ذلك، يعكس هذا «السباق» بين الحكومة من جهة والجيش والقضاء من جهة أخرى في حرب الرسائل أن تركيا التي تعيش منذ سنوات أزمة هوية تواجه الآن لحظة حقيقية في الاختيار بين اتجاهين.. ومع قوة الحرس القديم، العلماني بالطبع، في هياكل النظام والدولة إلاّ أن أردوغان ماض في تطبيق أفكاره التي تحاول الابتعاد بتركيا نحو الأردوغانية.
الأسبوع الماضي، رفعت الحكومة التركية الحظر المفروض على ارتداء الحجاب في مؤسسات الدولة عدا العاملات في القوات المسلحة والشرطة والقضاء والادعاء العام، وهذا يعكس أنّ أردوغان يعرف حدود الخطوط الحمر، وانّه يتحاشى الغوص بعيداً في استفزاز الجيش.
وإذا كان القرار يعكس «انقلاباً» في التوجهات المجتمعية العلمانية التركية، إلاّ أنّه احتمى بمبادئ حرية التعبير الديني، وارتدى جلباب الحرية الشخصية، في محاولة من الحكومة أن تقطع الطريق على أي تحرّك من قبل أنصار العلمانية في الجيش والقضاء باعتباره سيكون عملاً ضد الديمقراطية، ومحاولة لفرض التمييز والتضييق على الحريات، هو تكتيك يبدو أنّه كان ناجحاً حتى الآن.